الأحد، 15 مارس 2009

كرتونة الكتب

كرتونة الكتب *
أخذت كتاباً وبدأت أبحر بين سطوره ، وبينما أنا منهمك في قراءته ، سمعت صوتاً لسيارة تقف خارج المنزل ، ثم اذا بالباب يطرق ، فهرع أحد أخواني الصغار وفتح الباب ، وبدأ يصيح مردداً "محمد" وصل من السفر ، تركت الكتاب جانباً وذهبت مسرعاً لاستقبال ابن عمي الذي حضر من مدينة كسلا مسقط رأسه حيث كان يقضى عطلته الدراسية الطويلة مع والديه وإخوانه ، فصافحته بحرارة ثم سلم على والدتي واخواني واخواتي وقلت لاخواني الصغار : أدخلوا هذه الحقائب والكراتين إلى الداخل . كانت الكراتين تحتوى على فاكهة المانجو والجوافة والقريب فروت والتي تشتهر بها مدينة "كسلا" عاصمة المنطقة الشرقية .
كان محمد أكبر منا سناً ، بنحو عشر سنوات تقريباً ، وكان يدرس علم الاجتماع في جامعة القاهرة فرع الخرطوم ، وكنت أنا في بداية مرحلة الثانوية وكان يمكث ويشاركنا في غرفة أخي الأصغر ، ولدى تفقده لأغراضه التي أحضرها معه .. صاح أين كرتونة الكتب ؟! يا ربي أين هي؟! ، أرجوكم فتشوا عنها في الداخل ، قلت له لم يتم إدخال أي شيء إلى الداخل كل الأغراض موجودة أمامنا هنا ، وأخذنا نبحث خارج وداخل المنزل ولكن لا وجود لتلك الكرتونة. قلت له: تذكّر يا أخي يمكن نسيتها في مكان ما ، أو في محطة القطار .. صمت برهة تاركاً لعنانه التفكير.. ثم قال لي يجب أن نذهب الآن بسرعة للمحطة يمكن أكون نسيتها هنالك.. خرجنا من الدار واستأجرنا سيارة أجرة وذهبنا معاً إلى محطة القطار . وأثناء ذهابنا قلت له مازحاً : انت يا أخي كل مرة تذهب في العطلة الدراسية بهذه الكتب الكثيرة وترجع بها ، أكاد أجزم أنك لم تقرأها ، قال: فعلا لم أقرأ منها شيئاً.. لدى وصولنا لمحطة القطار ، تلك المحطة الأثرية التي شيدها الحكم الإنجليزي حين استعماره لهذه البلاد ، كانت تنطلق منها خطوط السكك الحديدية التي تربط معظم أرجاء ومدن السودان ، وتعتبر من أطول خطوط السكك الحديدية في العالم لكبر مساحة السودان الشاسعة المترامية الأطراف .
توجهنا إلى القطار ، الذي كان راكباً فيه ، فوجدنا عمال النظافة قد بدأوا عملهم في نظافته الروتينية ، وبدأنا رحلة البحث داخل القطار عربة عربة ، ولكننا وبعد هذا البحث لم نعثر على شيء .. فذهبنا بعد ذلك لقسم شرطة المحطة لعلنا نجد ضالتنا هنالك ، ولكننا لم نعثر على أي مفقودات ، وأبدى ذلك الشرطي اهتماماً لأمرنا وقال : سوف اذهب معكم ونبحث عنها سوياً في الباحة التي تقف فيها سيارات الأجرة .
وفي هذه الباحة الرئيسية أخذ الشرطي يسأل ابن عمي : من أين ركبت سيارة الأجرة وأشياء من هذا القبيل .. وكنت أنا اجول ببصري وأنا ألف حول نفسي لعلي أجد شيئاً .. يدل على كتب أفلاطون ابن عمي.. اعتقد أنها تبخرت مع أنفاس هذا الجو الحار والملتهب .. وكانت هذه الباحة التي تعج بالناس والسيارات خالية تماما من أي شيء حتى الناس لجأوا إلى ظلال الأشجار ، وإلى ضفاف النيل الخالد ، حيث كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر .. وإذا بي أجد فتاة جميلة جداً واقفة قريباً مني .. سبحان الله .. يا أرض إحفظي ما عليك .. كانت تفوح منها رائحة عطور عبقة عطرت المكان .. لم أكن متوقعاً ذلك .. مدت يدها وصافحتني بعد أن سلمت عليّ ثم قالت : هل بالإمكان أن تدخلني المحطة .. قلت لها يسعدني ذلك ولكن اعذريني لعدم تمكني من ذلك ، ويمكنك الدخول بكل سهولة ولن تواجهك أي مشكلة في ذلك! .. قالت: لا الحارس لن يسمح لي بالدخول .. قلت لها : لو رآك الحارس سيسمح لك بالدخول ، ضحكت ، وظهرت أسنانها المرسومة كاللؤلؤ .. وسألتها : أنت مسافرة والا مودعة ؟ .. قالت لي مودعة .. قلت لها: أي قطار؟ قالت : قطار (الأُبيّض))
[1]( .. قلت لها : سوف تدخلين المحطة ، ولو ما سمح لك بالدخول سوف أساعدك .. وبدأت تخطو بتلك الخطوات الرزينـة نحو البوابة .. وكنت أقـول في نفسـي .. يا لتعس حظي .. ليتني ما كنت مشغولاً مع أصدقائي .
التفت إلى أصحابي .. المتجادلين .. وسألني ابن عمي : كنت تتكلم مع من ؟!! أندهشت لعدم إدراكهم ما حصل مع فتاتي الجميلة .. صمت برهة.. وقلت لهم: بعد أن التفت وأنا أشير بيدي إلي الفتاة الجميلة حيث كانت تسير .. ولكننا لم نشاهدها .. هل وصلت إلى البوابة .. البوابة بعيدة ولو هرولت لما وصلت إلي البوابة .. ولم يزل حارسها جالساً على كرسيه.. فارتسمت على وجوههم علامة التعجب وفي مخيلتهم ألف سؤال !! هم مقتنعون بأنني كنت أحادث أحداً ما ، ولكن لا أحد أمام أعينهم .. وتركتهم بدون إجابة ، وأنا تركت الأمر في داخل نفسي طي التعجب .. ودار في رأسي ألف سؤال وسؤال هل هذه فتاة الجميلة «جنية»؟ ، لو أنني ذهبت معها .. ماذا كان سيحدث ؟ وهل سوف تعاود الظهور مرة أخرى؟.
وأثناء رجوعنا من محطة القطار .. قلت لابن عمي سائلاً.. هل كان برفقتك احد في سيارة الأجرة التي ركبتها من المحطة ؟! .. قال نعم كانت معي امرأة كبيرة بالسن أنزلناها في حي "الحلة الجديدة".. قلت له: من المؤكد .. أن تكون الكرتونة موجودة معها.. قال: لا اعتقد ذلك .. قلت يا أخي لا يضيرك شـيء أن نذهب إليها الآن .. هـل تتذكر المكان؟ قـال : نعم .. وحولنا مسار اتجاهنا صوب مكان تلك المرأة .. ولحسن الحظ أننا وجدنا الكرتونة مع أغراض تلك المرأة .. ورجع ابن عمي أفلاطون زمانه بالكرتونة وهو فرح فرحاً لا يوصف .
---------------------------------
*) قصة حقيقية .
1) الأُبيض : مدينة تقع غرب مدينة الخرطوم.

الكأس المر

الكأس الـمـر *
"فاتن" امرأة جميلة ، في ريعان شبابها تزوجها رجل يدعى "فؤاد" في العقد الرابع من العمر بينما كانت هي في الخامسة عشرة من عمرها ، وقد أثمر هذا الزواج طفلتين مليحتين ، عبير في الرابعة من عمرها وأختها عفراء التي بلغت السنة الثانية .
كان فؤاد موظفاً في إحدى الشركات وكان يتقاضي راتباً لا بأس به ويمتاز بدماثة الخلق وطيبة القلب ، محباً ودوداً ومخلصاً لأسرته ، ويكرس معظم أوقاته في تقديم جل الاهتمام والرعاية لهم ، وكانت الشقة التي يقطنها ملكاً له . وكانت فاتن تتمتع بحرية مطلقة في تصرفاتها وتحب الأناقة والجمال ولذلك كانت كثيرة التسوق وتقوم بشراء أفخم الملابس والعطور وأدوات التجميل ، الأمر الذي كان يرهق كاهل زوجها بكثرة طلباتها المستمرة ومع كل ذلك لم يظهر لها فؤاد إمتعاضه أو تذمره ، بل كان يحاول بكل السبل إرضاء رغباتها التي لا تتوقف ، لأنه يحبها ويناديها دائماً بالحبيبة ويكون سعيداً حين يراها دائماً سعيدة .
أما "فاتن" فإنها مع كل هذا الاهتمام والمحبة الكبيرة من زوجها ، كانت تضمر في قرارة نفسها رأياً وأمراً بالغ الخطورة ، فهي تعتقد أنها على صواب في كل ما تقوم به ، ولا تدري أن ذلك قد يكون خطراً عليها ويهدد سعادتها الأسرية ، وأكد هذا أنها كانت ترفض هذا الرباط الأسري وترغب في الانفصال عن فؤاد بشتى السبل ، بل وتسول لها نفسها أمراً أعتقد أن أحداً لم يسبقها إليه ، فقد كانت ترى أن الحرية هي أن تكون بلا قيود ، ولابد لها من كسر هذا الارتباط الأسري . وسارت في هذا الاتجاه دون أن تدرك الخطورة من جراء ذلك .
وفي إحدى الأمسيات التي لا ينساها فؤاد ، جاءت فاتن من الخارج وجلست أمامه قائلة : طلقني يا فؤاد ، وكانت صدمة كبيرة عليه ولم يصدق ما يسمع فقال لها : وهو مذهول هل تمزحين يا فاتن .. ثم استدرك قائلاً .. هل صدر مني شيء لا سمح الله؟! ، بدأت فاتن تجهش بالبكاء وتكرر قولها : أرجوك طلقني خلاص أنا مللت من هذه العيشة ، تفاجأ فؤاد من أقوال زوجته ، وبادرها بعدة أسئلة .. هل بدر مني شيء لا سمح الله ؟ ، هل قصرت معك في شيء ، هل .. هل ؟! إذا ما السبب وراء هذا الطلب ؟! فلم تجب إلا بإصرارها على أمر الطلاق ، واستمروا على هذا الحال عدة أيام ، وهي مصرة على الطلاق ، قال لها: هل نسيتِ بناتك .. فلذات أكبادنا يا فاتن ؟! قالت انني أبغي الطلاق وحسب ، قال لها حاضر يا فاتن ، أنا مستعد لأن اترك لك البيت ، إبقي أنتِ مع البنات هنا حتى لا يفقدوا حنان الأمومة وهن في هذه السن الصغيرة في أمس الحاجة إليك ، قالت : أرجوك طلقني والبنات خليهم معك .
كانت فاتن ترغب في الطلاق لتنال حريتها الكاملة فقد وعدتها إحدى صديقاتها بتدبير عمل لها في أحد الفنادق الفخمة ، وهكذا ، حاول زوجها معها بشتى السبل ، ولكن لم تستجب لرغباته ولم تغير موقفها أبداً ، وقدم لها زوجها حلاً أخيراً فقال لها : إنني سوف أتنازل لك عن الشقة كي تعيشي فيها وبناتك وسوف أسكن أنا في مكان آخر ، وسوف أحضر لزيارة البنات من وقت لآخر .. ولكنها أصرت على الطلاق وقالت له: البنات خليهم معاك ، خليني أروح لحالي أرجوك .. كان فؤاد غير مصدق لما يسمعه ويراه ، وكان يقول في نفسه ، لابد أنها أصيبت بمس من الجنون ، كيف تترك أم فلذات أكبادها وترحل دون أن يكون في قلبها ذرة من الشفقة والرأفة والحنان . واستجاب فؤاد على مضض لمطالب ورغبات فاتن بعد فشل كل المحاولات في اقناعها بالتخلي عن الطلاق ..
وللأسف تم الطلاق وساد البيت حزن عميق وهدوء كهدوء المقابر كان لا يقطعه إلا صوت البنات وهن يسألن عن أمهن . فكان يجيبهن : ماما راحت تزور أهلها وراجعة .. كان يقولها بهدوء والابتسامة لا تفارق ثغره حتى يشعرهن بالاطمئنان ، ولكن قلبه من الداخل كان يغلي ألماً وحسرة عليهن .
التحقت "فاتن" بتلك الوظيفة التي كانت موعودة بها كموظفة استقبال في فندق كبير بالقاهرة ، وسارت الأيام رتيبة في حياتها الجديدة، وهي تنوي في قرارة نفسها بأنها سوف لن تعود إلى زوجها وبناتها ، ومرت الأيام ، وكان فؤاد يقوم بالعناية ببناته دون كلل أو ملل ، ولم تخطر في باله فكرة الزواج ، ومضت أربع سنوات وهو ينتظر على أمل أن تعود "فاتن" إلى صوابها ، ويعاودها الحنين لبناتها ، ولكن دون فائدة ، ولكن إلى متى ينتظر ، لابد أن يتزوج.
شاءت الأقدار أن يلتقي بهناء ، كانت امرأة تحمل كل مواصفات الأنوثة والرقة ، والحنان . أجتمع بها مرات وعرض عليها الزواج وقال لها: خذي راحتك وأعطني رأيك بعد قناعة تامة ، وطلبت منه أياماً ثلاثة للتفكير . بعد هذه الأيام ذهب فؤاد لمنزل هناء لمعرفة رأيها وهو يتمنى في قرارة نفسه أن توافق .. وكم كانت فرحته عندما سمع إجابتها بالموافقة على الزواج منه والعيش معه ومع بناته في شقته المتواضعة ، ووعدت بأن تكون لبناته الأم الحانية ، وتم الزواج بيسر وسهولة ، وانتقلت هناء إلى بيت زوجها وهي في منتهي السعادة ، ومضت الأيام والسعادة ترفرف على هذه الأسرة الصغيرة ، فؤاد يذهب إلى عمله وهو مطمئن ، وهناء تعامل البنات وتحنو عليهن كأحسن ما يكون .
أما فاتن فقد تعرفت على رجل يدعى "رامي" في الأربعين من عمره ، متزوج وله بنت وولد كان قادماً من السعودية لقضاء الإجازة مع أسرته، في مسقط رأسه في القاهرة ، حين التقى صدفة بفاتن في الفندق الذي تعمل فيه ، فأبدى إعجابه بها وبادلته نفس المشاعر ، وتكررت الزيارات واللقاءات بينهما . وعرض عليها رامي الزواج ، ولم تمانع مبدئياً وأمهلته فترة للتفكير .
وعرضت الموضوع على أسرتها فكان قرارهم الرفض لهذا الرجل الذي لديه زوجة وأطفال ، ولكنها بادرت إلى إتمام الزواج من "رامي" على جناح السرعة ، ضاربة برفض أهلها عرض الحائط ، إنها بزعمها حرة وهي التي ستعيش مع الشخص الذي تحبه ، وبعد أيام قليلة سافر رامي ، على أمل أن يرسل لزوجته الجديدة تأشيرة لتقيم معه في السعودية ، وفعلا بعد فترة وجيزة أرسل لها تأشيرة إقامة لتلحق بزوجها. وسافرت إليه ، وكانت مفاجأة لفاتن أن وجدت "رامي" يعمل سائقا لدى مؤسسة تجارية، فاستأجر لها شقة صغيرة مكونة من غرفة ومجلس وصالة صغيرة تتناسب مع راتبه الضئيل . كانت فاتن تحب أن تظهر بكامل أناقتها حيث تختار فساتينها وملابسها ، وأدوات المكياج بعناية فائقة دون أن تسأل عن الثمن، وكانت تقول : ليست هي أقل من "نعوم كامبل" ، أو " نيكول كيدمان" ، كيف ستتصرف مع ميزانية زوجها التي لا تتحمل هذه النفقات، كان رامي يجاريها في البداية ويعطيها من المال ما تريد ، وكان يحب أن يرى تلك الفساتين الجميلة التي تظهر جمال زوجته ، فهي بنظره ملكة جمال ، لكن لم يستمر الأمر على هذه الحال ، فلم يعد رامي يستطيع الصرف عليها بسخاء ، وطالبها بالتوفير ، فكانت ترد عليه بقولها: إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب . بعد سنوات ثلاث من الزواج أنجبا ولدين فزادت عليهم المصاريف ، واضطرت فاتن أن تعمل حاضنة لبعض الأطفال الصغار ، أولاد الطبيبات والموظفات القريبات من سكنها ، فكانت تجمع بهذا بعض المال الذي يلبي كثيراً من احتياجاتها . وبدأت تندم على ترك حياتها الأولى مع زوجها فؤاد وتقول : إنني ارتكبت في حقي وحق بناتي وزوجي الأول حماقة لا تغتفر ، أين هذه العيشة من عيشتها مع فؤاد الذي كان يحقق لها جميع رغباتهم دون تردد ، وكان لطيفاً ورقيقاً وعطوفاً لدرجة كبيرة . بينما رامي يسخط لمجرد أن تطلب منه شيئاً ، وعرفت أنه لا يتورع عن الزواج من أخرى ، لو وجد لديه قليلا من المال ، بدأت تعتقد أنها انخدعت حقاً فيه ، وضيعت زوجها الأول وبناتها وسنوات الانتظار التي انتظرها فؤاد على أمل أن ترجع إليه، وندمت كثيراً على فعلتها ، ولكن لات ساعة مندم .
وليزيد رامي دخله أمام ضغط المصاريف من زوجته الجديدة ، صار يعمل عملاً إضافياً في كثير من الاتجاهات المشروعة وغير المشروعة ، ولسوء حظه تورط في نقل بضاعة غير مرخصة ، دخل على أثرها السجن لمدة اثني عشر شهراً ، مما أضطر زوجته فاتن للسفر مع أولادها خلال هذه الفترة إلى مصر ، ولكنه عندما خرج من السجن لم يلحق بزوجته وأولاده، وإنما مال إلى رغبته في الزواج مجدداً بموظفة من إحدى الدول العربية تعمل في احدى الشركات ، ضارباً عرض الحائط بواجباته الزوجية والأبوية تجاه فاتن وولديه منها ، ولم يسأل عنهم إلا ما ندر ، وهكذا وجدت فاتن نفسها تشرب من نفس الكأس المر الذي سقت به زوجها الأول.

-------------
*) قصة حقيقية

حارس البقالة

حارس البقالة *
في حياتنا تمر بنا أحداث كثيرة بعضها غامض ومثير ومنها السهل واليسير، ولكن هنالك أحداث تظل عالقة بالذاكرة مغروسة في الحنايا كنبتة تنمو مع الأيام وتكبر ، ويزيدها مر السنين رونقاً وألقاً ، وهنالك أيضاً بعض الطرائف التي تهز دواخلك فيصعب على العقل نسيانها فتظل قابعة في نفسك ، وعندما تأسرنا الحياة وتقحمنا بمشاكلها وأحزانها نمد أيدينا لنقطف ما كان في دواخلنا من ذكريات فنجدها كما هي راسخة لا تشوبها شائبة كأنها حدثت بالأمس القريب ، فنسترق اللحظات لتمكننا من مواصلة الحياة وصخبها الدائم .
وأن نسيت لا أنسى صباح ذلك اليوم الذي أتاني فيه أخي ليحدثني عن شقاوة بعض الفتية الذين اعتدوا على صاحب البقالة التي تقبع في الشارع الرئيسي في الحي الذي أسكنه ، كان في أواخر الليل يقفل محله وينام على سريره الذي يضعه أمام البقالة ويغط في نوم عميق حتى صباح اليوم التالي خوفاً على البقالة من اللصوص وصدف أن جاء أخي وبعض اصدقائه في وقت متأخر من تلك الليلة ، فشاهدوا صاحب البقالة نائماً في سريره ، فسولت لهم أنفسهم بأن يحملوا السرير ويضعوه في الشارع الرئيسي ، والمسكين مستغرق في نومه وسابح في بحور الأحلام والهواجس ، ولم يشعر بحركتهم ، وكان الهدوء يعم المكان حيث تقف حركة السيارات في هذا الشارع في أواخر الليل ، وتبدأ الحركة فيه مع إطلالة الفجر ، حيث تأتي الشاحنات الكبيرة التي تحمل الخضروات متوجهة إلى السوق المركزي. وجاءت أول شاحنة قادمة في ذلك الطريق، وتراءى لسائقها عن بعد مشهد شئ يتوسط الطريق الذي كان يسلكه ، فأخذ يبطئ من سرعة شاحنته حتى وقف تماما امام ذلك السرير ، وفي رأسه عدة أسئلة لا يجد لها إجابة : لماذا هذا الرجل ينام في وسط الطريق ؟! عندها أطلق منبه شاحنته المزعج ، فقام صاحب البقالة منزعجاً مهلوعاً ، ونهض من السرير ووجد الشاحنة العملاقة أمام عينيه وصوت محركها يملأ أذنيه ضجيجاً فلم يستوعب الأمر .. فولى هارباً تاركاً السرير وسط الشارع. هنا لم يسعنى إلا أن أقول لأخي : حرام عليكم هذا الذي عملتموه بهذا الرجل ، فلو صادف أن مر في ذلك الوقت أحد السائقين السكارى من النوع الذي يترنح بسيارته في الشارع يميناً وشمالاً فستكون كارثة تقضي على ذلك المسكين . فالحمد لله أن سلّم ، أرجو عدم تكرار مثل هذا المزاح الخطير مرة أخرى ، ومن حينها لم يعد صاحب البقالة ينام أمام البقالة.

-------------------

*) قصة حقيقية .

غزل في الجو

غزل في الجو *
أثناء رحلة قصيرة بالطائرة قمت بها من جدة إلى الخرطوم لم يكن على متنها سوى خمسة ركاب تفرقوا على مقاعدها هنا وهناك ، كل سابح في خياله أو نائم أو يقرأ ، قلت لنفسي وأنا كذلك أعطى لخيالي شيئاً من التفكير .. لم يمر وقت طويل حتى جاءتني احدى المضيفات فسلمت علي وجلست بجانبي وبدأت معي الحديث ، وصارت تسألني عن مدينة الخرطوم وأهم المعالم السياحية فيها ، وأشياءاً كثيرة .. أرجعتني هذه الأسئلة لتذكر بعض الأماكن التي لم أرها منذ أمد بعيد وانا في الغربة .. وفعلا شغلت علي هذه المضيفة وقت الرحلة ، وكانت أول رحلة أقوم بها في حياتي بدون ملل .. لا يذهب عقلكم بعيداً .. فحديثنا كان بريئاً وبعيدا عن السياسة والمال وغيره .. كانت لديها رغبة كبيرة في أن تتعرف على هذه المدينة ، وعللت ذلك بانها سوف لن تتمكن من إيجاد الوقت الكافي لكي تخرج من المطار لتتنزه في أرجائها كما أن رحلتها ستعود بمجرد أن تنزل ركابها ، كنت ألحظ في بريق عينيها بأنها تحاول أن تضع في مخيلتها نموذجاً أو تصوراً يليق بتلك المدينة بالمقارنة مع ما شاهدته من مدن أخرى . تطرق حديثنا إلى الشعراء المعاصرين ، قالت إنها قرأت لبعض الشعراء مثل محمد الفيتوري ، وإدريس جماع ، وأنها تحب الشعر كثيراً لأمثال أمير الشعراء أحمد شوقي ، ونزار قباني، وهنا تذكرت أن الشاعر العراقي "محمد الجواهري" أهدى قصيدة بعنوان (غزل في الجو) لمضيفة طيران أثناء رحلة جوية قام بها قال وهو يروي هذه الحادثة :
كنت فى الطائرة العراقية الى براغ سنة 1975حين اقتربت مني مضيفة حسناء أحبت أن تتعرف عليّ باعتبارها معجبة بقصائدي وتحفظ بعضها ، وطلبت منى أن أهديها بضع أبيات ، قلت في نفسي : لمن يكون الشعر اذا لم يكن للجمال ، ولتلك العيون العراقية الساحرة ، وهكذا بدأت وأنا محلق في الجو بكتابة هذه الأبيات على ورقة وعيناي على المضيفة التي لم أعرف اسمها ، ولكن وجهها ماثل أمامي :

وقـالــــت أتنظــــــــم الشــــــــــــعر
فقــلت وهـــــــا أنــــا الشــــــــــــعر
خـــــــذيـــــني بـــــــين كفــــــــيـك
فــــذاك " العجــــــــز" والصـــــدر
وصــــــــوغيني كــــمـــا تهـــــوين
ســـــــطرا حــــــــــــذوه ســـــــطر
وشــــــــــــــطريــن ســــــــــــويين
وإن شـــــــــــــئته شـــــــــــــــــطر
الا يــــــــا حـــــــلوة العــــــــــينين
يا مـــــن حـــــلوهـــــــــــا مــــــــر
ويا مشــــــــبوبة الخــــــــــديــــــن
عـــــندي منهـــــمــــــا جــــمــــــــر

فلما انتهيت من إلقاء قصيدة الجواهري ابتسمت ، وتجلت في عيونها الفرحة وقالت : القصيدة حلوة ، ولم تكمل بقية حديثها حيث انطلق النداء الخاص باستدعاء المضيفات .. فذهبت بخطوات رشيقة لكبينة القيادة ثم رجعت وواصلت الحوار معي كأن شيئاً لم يكن ، وإن كنت أقرأ في عينيها أمراً تحاول أن تخفيه عني ، يقول الحكماء: النساء لا يكتمن الأسرار لأنها لم تلبث أن أطلعتني بأن هناك مشكلة يواجهها قائد الطائرة، واسترسلنا في الحديث الشيق ، ولكن على مضض شعرته من خلال حديثها ، وعند الوصول تركتني وهي تشد على يدي شاكرة ، ثم إنني قابلت واحداً أعرفه يعمل في الطيران المدني ، قال لي وهو يضحك، معقول أنت كنت في هذه الطائرة؟! ، الحمد لله على سلامتكم ، طائرتكم عجلاتها نزلت في اللحظات الأخيرة ، وقد جهزت قوة الدفاع المدني المادة الرغوية لحاجة الهبوط الاضطراري للطائرة ، قلت له: الحمـــد لله على كرمه ولطفه .
----------
*) قصة حقيقية.

هـــدى من الله

هدى من الله*
في إحدى سفراتي إلى لندن صادف مقعدي في الطائرة بجانب أخ سعودي ما لبث أن تعارفت عليه وجرى بيننا حديث طويل أنسانا طول الرحلة من الرياض إلى لندن والتي استغرقت سبع ساعات .
حكى لي عبد العزيز (رفيق الرحلة) قصة أرى أنها جديرة بأن تحكى قال : إعتدت أن أسافر إلى لندن لمعالجة ابنتي التي رزقني الله إياها من زواج بامرأة انكليزية كانت قد اعتنقت الإسلام ، تعرفت عليها في المركز الإسلامي بلندن ، وكنت سعيداً بهذا الزواج لأنني وجدت فيها كل ما أتمناه من الزوجة ، طاعة ، وتقارب في المفاهيم حول ما أحب وما لا أحب، وفوق كل ذلك ما تتمع به من جمال ، وثقافة حيث كانت خريجة جامعية متخصصة في التاريخ الإسلامي ، الطفلة التي رزقنا بها جاءت وبها تشوه خلقي ، حيث كانت لا تسمع ولا تستجيب للأصوات فنصحنا الأطباء بمعالجتها في لندن ، وجاءت هذه النصيحة مواتية لزوجتي التي كانت تحن لأهلها ، فكانت تطمئن عليهم في هذه الزيارات ويطمئنون عليها وخاصة بعد أن بدأت مخاوفهم من زواجها بمسلم لكنهم سعدوا لسعادتها كما سعدوا لفرحها عند دخولها الإسلام ، إذ كانوا يرون أن ابنتهم «وهي على درجة من التفكير والعلم والفهم»لم تختر اعتناق الدين الإسلامي إلا عن إدراك عميق بأنه الدين الأفضل .. ومن هنا جاءت سعادتهم بعد اقترانها بزوج مسلم .
ويسترسل عبد العزيز في الكلام ويقول : كان تخصص زوجتي في التاريخ الإسلامي ، فقرأت سيرة الرسول r فزادتها السيرة يقيناً وإيماناً راسخاً بهذا الدين .. هذا الأمر جعل الأب (أبو الفتاة) يصغي بكثير من الانتباه إلى حديثي معه حول الدين الإسلامي ، وخاصة بعد أن أهديته نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم ، فكنت أتابع معه في كل سفرة من سفراتي مدى تقدمه وفهمه لهذا الكتاب الذي قامت بإصداره مؤسسة الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة (على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام) كما قامت بطباعة عشرات الكتب الإسلامية التي أثرت بها المكتبة الإسلامية .
كان أبو زوجتي (إبراهام) يسر كثيراً عندما أشعره بأنه يتقدم في فهم الدين الإسلامي وأنه يدرك معنى التوحيد ومقاصده ، وأنه يفهم القصص في القرآن الكريم ، وأخبرني أنه كان يقف كثيراً عند قصة إبراهيم عليه السلام ، فكنت أذكر له بأن إبراهيم هو أبو الأنبياء جميعهم ، اسماعيل ، واسحق ، ويعقوب ، وموسى ، وعيسى ، وغيرهم عليهم الصلاة والسلام .
يضيف صديقي : هذا الحديث العلمي الإيماني الذي كان يدور بيني وبين (أبو زوجتي) كان يخفف عنه الألم من مرض كان يشكو منه ، إذ كان يشكو من سرطان في الدم عانى منه كثيراً ، مما أضطر إلى ملازمة الأطباء الذين أيأسوه من الشفاء ، وكان يخبرني بأن الطمأنينة التي يجدها في قراءة كتاب ترجمة معاني القرآن تخفف عنه كثيراً من آلامه بل وتريحه جداً فصار يلجأ إليه في أكثر أوقاته ..
يقول صديقي : في زيارتي الأخيرة إلى لندن في العام الماضي حصل شئ عجيب هو أن (أبو زوجتي) طلب مني أن أرافقه إلى المركز الإسلامي في لندن ليعلن إسلامه .. وكم كانت فرحتي عارمة بهذا الخبر فذهبنا .. وهناك نطق بالشهادتين ، وطلب أن يكتب أسمه (إبراهيم) بدل (ابراهام) ، وحصل على وثيقة من المركز بذلك وعندما سألته عن تطور مرضه .. قال لي والفرحة تعلو وجهه : لقد شافاني الله .. الحمد لله ، وأنا عند ما أيقنت أن هذا الشفاء هو نعمة من الله أنعمها علي أردت أن أدخل في هذا الدين العظيم .
قلت : جزاك الله كل خير يا عبد العزيز ، إسلام هذا الرجل يسجل في صحيفة حسناتك يوم القيامة .. قال : (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَِ) [ الأنعام :125].
قلت : خبرني عن مرض ابنتك .. ماذا حدث ؟ قال : وفقني الله إلى طبيب وجد أن فقدان السمع عندها كان نتيجة خلل في عصب السمع عندها واستطاع أن يعالجه وأحمد الله علي ذلك.
------------
*) قصة حقيقية .

مشكلة رجل؟

مشكلة رجل *
زارتني صديقتي زيارة طارئة بناءاً على طلبها، ومع احتساء فنجان القهوة عبرت المسكينة عن آلامها قائلة: طويت على هذه الحياة رداء شبابي، وهاأنذا أطوي عليها رداء شيخوختي ... قالت قولها هذا وقد ارتسمت على وجهها علامات من الهم والاكتئاب ، وفي عينيها نظرة الذل والانكسار ... واسترسلت تذرف الدموع على حظها وقلة بختها، وتتحسر على السعادة التي ضلت طريق الوصول إليها، ومن حلاوة الروح أخذت تهذي بكلمات عبرت فيها عن نفسيتها المتأزمة قائلة: أريد الانفراد بذاتي، وأبحث عن الفرار من أبصار الناس وأسماعهم ... أريد أرضا لا يطرقها طارق ولا يمـر بها سـائل ... أريد الفـرار من ضوضــــاء الأهـل وجميع الأصحاب وثرثرتهم ... أنا لا أريد أحداً حولي ... لا أريد أحداَ حولي سواك أنت.
سأروي لك قصتي الفاشلة: مشكلتي وطامتي الكبرى بأنني صدقت من تحدث عن الحب والسعادة، ولو سألتموني عن الحب لأجبت بأنني لا أفهم من الحب سوى أنني بحاجة إلى بقاء رجل أثق به إلى جانبي .... وتوهمت بأنه حالفني الحظ بهذا الرجل ، برجل حياتي، ومن فرط سعادتي به شعرت بأنني نفضت بيدي غبار الظلام عني، ورحت أحلم بالأمل بحياة جديدة نقية معه ، وفي قرار واحد ما لبثنا أن أصبحنا أنا وعادل زوجين ... ولكي تنجح مسيرة زواجنا وتستمر حاولت أن أكون مميزة عن سائر الأخريات ، ولأجل هذا عملت على مخاطبة روحه قبل عقله ، وكنت أمينة على أسراره وعلى ماله وبيته ، وأنت خير من يعلم بأن الإخلاص مبدئي، وأساس بنياني قائم على العطف والاندماج بأحداث حياته ، ووقفت معه ضد عاديات الدهر، وكرست عمري لخدمته وخدمة أولادي ، ومن عشقي له احتفظت بصورته كتذكار دائم عندي ووضعتها في قلادة لا تفارق عنقي، وتوقعت بأننا سنلتقي عند نقطة تذوب فيها فوارق التفكير وتنمحي فيها الاختلافات، واعتقدت بأنه سيقدر أفعالي، وسيتفهم حاجتي إلى قلب رحيم، وبأنه سيقابل معاملتي له بفيضان من المشاعر والأحاسيس.
ومع مرور الأيام وكرّ السنين لاحظت بأنه صاحب غرور هرمي لا يحتمل، وبأن الأمية تلعب دورها على تفكيره بالرغم من شهرته ونجاحه المرموق على الصعيد العملي والاجتماعي، ونمى إلى علمي بأنه على اتصال بالكثير من النساء غيري، وبت مؤمنة بأنه لا يكترث لشخصي، وتملكني شعور بأنني مجرد لوحة معلقة على جدران منزلـه، بالإضافة إلى انه عاد إلى بؤرته القديمة التي كان يعرفها قبل زواجنا ، ورجع إلى حياة السهر يوميا حتى ساعات الفجر ، وغير ذلك من الممارسات التي استحى من ذكرها.
رجوته مراراً وطلبت منه تغيير نمط حياته والالتفات إلينا ... لكن لا فائدة من الكلام مع أمثاله، والنقاش معه سيجرني نحو القول بما لا أريده لنفسي ... وأفعاله أشعلت غضب كبريائي ، وتجمعت في صدري أبخرة الغيظ وخيبة الأمل وأخذت الأيام تتوالى وأحداث الحياة تضعني في حيرة من أمري وبين ما يقوله لي جنون تفكيري، ويبدو أنني بت لا أحب كل الذين كنت أعتقد بأنني كنت أحبهم، وذاكرتي عن البارحة سريعة تمر وسط أشكال محزنة مرسومة برأسي ... لم أتصور يوماً بأنني وقعت تحت رحمة رجل وضع سدوداً على ضميره، ونفسه الدنيئة سمحت له بأن يخونني مع شاكلته من النساء.
أريد الاستقرار مع رجل معقول بلا خداع ... لكن يخيل إلي بأنني سأقضي بقية عمري في ظلام دامس لا ينفذ إليه شعاع من أشعة الرحمة، ولا يلمع فيه بأرق من بوارق الأمل ، والحمد لله لي نصيب موفور من الهموم، وأشعر بأنني أتعس من على سطح الأرض ، وأصبحت كورقة يدفعها الهواء إلى المجهول.
أنا بشر ومن حقي أن أعيش حياة كريمة، وتاقت عيني لرؤية شيء أفضل ، وتلهفت أذني يا أختي لسماع أخبار جميلة ، وأرجوك لا تسخر مني وأخبريني ماذا أفعل.

***** ***** ***** ******
عرضنا مشكلتك يا أخت سناء على الدكتور/ عبد المجيد سيد أحمد منصور ، الخبير في علم النفس ، فأجاب :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله تعالى رحمة للعالمين ، وكان ضياءاً ونوراً فقد أرسله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفي بالله شهيدا . صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد إلى صاحبة الشكوى .. اليائسة من حياتها أقول :
لا تقولي في بداية حديثك أن لك قضية فاشلة فقد يجعل الله بعد كل عسر يسرا .. وكم من ظلمات بدد الله ظلامها وأصبحت كأن لم يغشاها جور وظلام ..
إن قصتك هذه أتناول الحل فيها من ثلاثة جوانب :
1- الجانب الأول : الإيمان الصادق :
فأرجو منك القبول بما قسم الله لك ، وعلينا أن نرضى بما كتب الله علينا من حياة ، حيث لا ندري بما يأتينا به الغد ، فنحن في هذه الدنيا لا خيار لنا فيما يأذن به الله من قدر مكتوب علينا ، والله تعالى يقول:[وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] [الإنسان –30] .
كما نطلب من الأخت صاحبة الشكوى أن لا تجأر بالشكوى عندما يمسها الضُر . وأن تعرف قدر نعم الله عليها فليست كل حياتها كدر وهم ولتتذكر قول الله تعالى :
[وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ] [النحل :53].
أتذكرين تتذكرين المرأة التي كانت تصرع وتتكشف ، فذهبت إلى الذي وصفه الله تعالى في عليائه }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ِ{ وشكت إليه حالها وأنها تصرع وتتكشف . فقال لها أصبري واحتسبي حالك عند الله حتى تدخلي الجنة .. فقالت سأصبر ، وأرجو أن تدعو لي بالا أتكشف ، فدعا لها صلى الله عليه وسلم ، فلم يحدث أن تكشفت بعد ذلك . وأثابها الله بالجنة .
الأخت الفاضلة : أصبري على ما أنت فيه ، فقد يُصلح الله حال زوجك والله تعالى يقول :
[إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ] [الزمر : 10] .
[وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَِ] [النحل : 12] .
ألم تصبر امرأة فرعون على ما أوذيت فيه ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى :
[وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَِ] [التحريم :11] .
أفلا تصبرين وتتعاملين مع زوجك برفق وبهدوء ، عسى الله أن يغير حاله ويندم على ما فعل ، ويعود إليك وإلى أولاده .. أنني أناشدك أن يكون الهدوء والقلب المفعم بالإيمان هو رائدك في الحياة .
الأخت الفاضلة: من ترك الاعتراض على قدر الله فيسلم لربه في جميع أمره ، رزقه الله الرضا واليقين وأراه من حُسن العاقبة ما لا يخطر له ببال .
2- الجانب الثاني : ويتعلق بالسلوك الإنساني :
هل راجعت نفسك وحاسبتها ؟ قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَاسِبُوا أَنْفُسكُمْ قَبْل أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوا أَنْفُسكُمْ قَبْل أَنْ تُوزَنُوا فَإِنَّهُ أَخَفّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَاب غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسكُمْ الْيَوْم وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَر [يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ] [الحاقة : 18].
هنا لابد من السؤال .. هل أنت موظفة تخرجين من بيتك وترجعين منهكة لا تقومين بواجبك الأول كربة أسرة ، تجهزين الطعام وتنظمين بيتك ، وترعين حق أولادك ، وتتزينين لزوجك قبل مجيئه؟ أم أنك زوجة وأم وراعية بيت ؟ وهل عندئذ يكون سلوكك سلوك الزوجة والأم أداءاً كاملاً؟ أم يأتي زوجك إلى المنزل وبيتك غير منظم ومرتب ، والغذاء لم يطبخ بعد وأنت بثياب رائحتها الطعام ، وشعرك غير مصفف ، وأولادك يصيحون أين الغذاء يا أمي وتنهرين ويعلو صوتك وتستقبلين زوجك بعبوس ثم بقائمة الشكاوي من الأبناء ، ثم بطلبات قد لا يستطيع الزوج إيفاءها ؟ . كل هذا أختي الفاضلة يبعث الملل والضجر في نفس الزوج ، فقد يسهر خارج البيت ، وقد يبحث عمن يجد عنده الملجأ الآمن وما كان يبتغيه من حياة زوجية متوافقة ، ويعيش معك في عزلة نفسية ، وقد يفكر فيما لا يُحمد عقباه عليك وعلى أولادك .
الأخت الفاضلة : أرجوك راجعي نفسك ، وإذا كنت إنسانة فاضلة يتسم سلوكك بما يجب أن تكوني عليه من زوجة فاضلة فلا تيأسي من رحمة الله ، إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القانطون ، وثقي أن الله ناصرك ومؤيدك ، وضعي كل جهدك في تنشئة صالحة لأبنائك ، فلذات كبدك، وسيعوضك الله الكثير فيهم ، وسيرد لك ... زوجك هذا الغائب جسدياً وروحياً عنك في الوقت الحاضر ، وسيعود بهدى الله مهدياً وستعود مجريات الأمور كما كانت بل وأفضل .
وأقول لك أن النفس المطمئنة ، يزداد رباطها بالله كلما اقتربت من الله ، بالصلاة ، فقومي إلى الصلاة كلما تضايقت نفسك . قومي للصلاة وأدى الصلاة بقلب خاشع ، واطلبي ممن لا يُخيب الرجاء بأن يفرج عنك الهم والكدر والحزن والكسل والبخل والجبن وغلبة الدين وقهر الرجال .
بل نوصيك دائماً بأن تزيحي عن قلبك المتاعب ، بقراءة القرآن كل يوم، وأوصيك دوماً بقراءة سورة البقرة ، ولو نصفها في الصباح والباقي في المساء ، فالقرآن شفاء لما في الصدور والبقرة وآل عمران هما الزهراوان في القرآن ، وعليك بالاستغفار فإنه سبيل رفع البلاء ومدرار الخير كله، وهو كالآتي :
"استغفر الله العظيم وأتوب إليه " مائة مرة
أو "ربي أغفر وأرحم وأنت خير الراحمين " مائة مرة .
وكما ذكرنا لك من قبل احتسبي ما تبتغين عند الله ، ولا تغضبي من زوجك أو أولادك ولا تعتبري أنك مظلومة في الحياة ، فمن ترك الغضب (الذي هو جمرة من النار) حفظ على نفسه وذاته عزتها وكرامتها ، ونأى بها عن ذل الاعتذار ومغبة الندم (إذ الغضب لا يأتي بخير أبداً ، بل هو طريق الفرقة بين الناس) بل إن ترك الغضب يدخل الحليم (غير الغضوب) في زمرة المتقين الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ..إن الدين النصيحة فهل تستجيبين لما ذكرناه لك .
ألا تحاولين في ساعات الهدوء النسبي والعلاقة الطيبة مع زوجك وساعات الصفا .. أن توضحي له أن الله تعالى يمهل ولا يُهمل ، وأن سلوك الإنسان كما تدين تدان ، وانه إذا كان له بنات ، فقد يحدث لهن ما يتبعه في وقته الحاضر مع بنات الناس .. ونذكرك وأياه بما حدث لشيخ الإسلام الشيخ مصطفى عبد الرازق وقد كان شيخ الإسلام في مصر – يرحمه الله – عندما أبتعث للدراسة في جامعة "السوربون" في فرنسا ، ودعي إلى حفل راقص في الجامعة ، رفض واستنكر ذلك ، وقال قولة مشهورة "إن لي بنتاً" بمعنى أنه إذا رقص مع بنات الغير ، فإن الجزاء سيكون بالمثل .
اختي الفاضلة : لا تُفكري في الطلاق فهو أبغض الحلال عند الله ، وأولادك سيضيعون ويتشتتون وتكوني أنت السبب ، وأنصح بكل هدوء عالجي نفسك أولاً من الخطايا ثم بعد ذلك زوجك ، وسيجعل الله لك مخرجا من الضيق الذي يدخل إلى قلبك .
نصيحة أخيرة : استعيذي بالله من الشيطان الرجيم وقولي: اللهم باعد بيني وبين الشيطان كما باعدت بين السماء والأرض.
فيبتعد بإذن الله تعالى وبرحمة منه .
3- الجانب الثالث : السلوك الاجتماعي :
والذي يمثل مع السلوك النفسي مسارات الحياة اليومية ، فقد تتحدثين إلى غيرك عن همومك ومتاعبك . والناس صنفان : صنف من الناحية الاجتماعية – يخاف الله ويُقدم النصح الذي فيه الخير لك ولا يزين لك ما تفعلين في حق زوجك وأولادك ، ويكون بلسماً لجراحك ، يداوي ويطبب ، ولا يزيد الألم النفسي وكأن المشكلة مشكلته ، ويحس بالآلام التي تعانين منها ويدفعك إلى طريق الخير مثلما يتمناه لنفسه .
وصنف آخر: يبذل كل جهده ليُصعد مشكلتك ويزين لك طريق الغواية وسوء السلوك مع زوجك وأولادك ، وكأن لسان حاله يقول : أعقلي ولا تتركي أمورك بهذا الشكل .. وواجهي زوجك ولا تفرطي في حقوقك ومثلما يعاملك عامليه ، وقد تستمعين وتتبعين ما سمعت .. وما النتيجة إلا كمن يصب الغاز على النار فيزداد السعير ، فيشتعل صدرك حقداً وكراهية على من تعاشرين ، وقد أوصى الله بالعشرة بالمعروف .
الأخت الفاضلة : كما يقولون في المثل : "ظل رجل ولا ظل حيطة" ووجودك مع زوجك خير لك من أن تكوني مع أخ أو أخت أو تعودي إلى بيت أبيك وفي هذا كله ضياع لك ولأولادك .
وبعد تذكري قول الحق تبارك وتعالى : [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا] [النساء – آية 9].
الأخت الفاضلة : اتقى الله وباعدي بينك وبين من يوسوس في صدرك من شياطين الإنس ممن يدخل بيوتنا ونرحب ونستمع إليه وهو يبث سمومه حولنا .. أتقى الله في أولادك وزوجك وفي نفسك عسى الله أن يفتح لك أبواب رحمته ويرزقك من لدنه فرجاً ومخرجاً .

--------------------------------------

*) قصة حقيقية ، بقلم محمد زكريا ، وسناء الأيوب من الأردن، التحيلي النفسي د. عبدالمجيد منصور.

كل يغني على ليلاه

كل يغني على ليلاه *
أخذ صلاح يستمع لخطبة الجمعة في مسجد الحي الذي يسكنه وكان موضوعها يدور حول زيادة قيمة إيجارات المساكن بدون وجه حق ، وحث الخطيب الناس على الرأفة والرحمة ، رق لها قلب كل من سمعها، وشاءت الصدف أن يكون الشخص الذي يجلس بالقرب من صلاح ، صاحب البيت الذي يسكنه ، وكان يبكي لما كان يسمع.
بعد انتهاء تلك الخطبة العصماء وأداء الصلاة أنتشر الجمع الغفير وكل راح لحاله ورجع صلاح إلى مسكنه ، وبدأ في تجهيز بعض الأعمال حتى يتفرع لزيارة أقربائه بعد صلاة العصر ، ولم تمض دقائق حتى دق جرس الباب ، من ذا الطارق؟ ، أكيد زيارة مفاجأة من أحد الأصدقاء بدون موعد سابق ، ولدى فتحه الباب تفاجأ بصاحب البيت الذي كان يبكي في خطبة الجمعة ، ودار بينهما الحوار التالي :
صاحب المنزل: السلام عليكم.
صـــــــــــــــلاح : وعليكم السلام .. تفضل بالدخول .. الله يحييك.
صاحب المنزل: شكراً ، أردت أن أخبرك بأنني زودت قيمة إيجار الشقة ألف ريال في بداية العقد القادم.
صـــــــــــــــلاح : ماذا؟! .. زيادة ؟! أنت الذي تقول هذا..؟ لا أصدق ما أسمع، لقد رأيتك اليوم بأم عيني في خطبة الجمعة تبكي بحرقة وأنت تسمع الخطيب وهو يحث الناس على عدم زيادة قيمة الإيجارات على السكان الغلابة المساكين من أمثالي ، والآن تأتيني لتبلغني بالزيادة ؟! .
صاحب المنزل: كنت أبكي لأنني لم أعلم بأن أمثالي من أصحاب الأملاك زودوا الإيجارات قبلي ، الأمر الذي فوّت علي الكثير من المال في الأيام الماضية.
صــــــــــلاح : ما أغرب ما أسمع ، كل ما قاله الخطيب من كلمات يرق لها قلب الحجر ، لم تحرك قلبك .. ولم يلينه على الغلابة أمثالي .. إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله . صدق المثل ، كل يغني على ليلاه .

--------------------------
*) قصة حقيقية .