السبت، 28 مارس، 2009

إبليس والشجرة

إبليس والشجرة

قال القرشي : سمعت سعيد بن سليمان يحدث عن المبارك أبي فضالة عن الحسن قال :
كانت الشجرة تعبد من دون الله فجاء إليها رجل فقال : لأقطعن هذه الشجرة ، فجاء ليقطعها غضباً لله فلقيه إبليس في صورة إنسان ، فقال : ما تريد ؟ قال : أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله ، قال : إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها ؟ قال : لأقطعنها، فقال له الشيطان : هل لك فيما هو خير لك؟ لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت ، فوجد عند الصباح دينارين تحت وسادته، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئاً ، فقام غاضباً ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته وقال : ما تريد ؟ قال : أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى ، فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله، قال : أتدري من أنا ؟ أنا الشيطان ، جئت أول مرة غضباً لله فلم يكن لي عليك سبيل ، فخدعتك بالدينارين فتركتها ، فلما جئت غضباً للدينارين سُلطت عليك .
وهكذا كما رأيت يا أخي استطاع الشيطان أن يخدع العابد ببريق الدينارين اللذين ظن العابد أنهما سيكونان سببا في سعادته ولكنهما كما رأيت كانا سبباً في تعاسته كما جاء في الحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار) : من وينطبق هذا القول على هذا العابد الذي باع آخرته بدنياه فكان لعبة في يد الشيطان الذي ما سلط عليه كما عرفت إلا بعد أن خرج الإخلاص من قلبه .

*** *** *** ***
الــعــلم والـمـــال
من ضاق ماله كثر همه ، ومن اتسع علمه قلّ همه ، ولإن تقلل همومك بكثرة العلم خير من أن تقللها بسعة المال ، فقلَّ أن يسلم غني من المهالك، وقلَّ أن يقع عالم فيها ، وقلَّ أن رأيت إنساناً اجتمع له العلم الغزير والمال الكثير مع سلامة من المهالك وبسطة في عمل الخير، ولكن مثل هؤلاء فاقرأ عنهم في التاريخ.
*** *** *** ***

قال أبو الطيب المتنبي :
ما كل ما يتمـنى الـمرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

***

وقال أبو العتاهية:
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى
تقلب عـريانا ولو كان كاسيا

الشيطان وبرصيصا العابد

الشيطان وبرصيصا العابد *

قال إبن عباس رضي الله عنهما :
كان زاهد فيما مضى يقال له برصيصا تعبد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين ، وأن إبليس أعياه في أمر اغوائه فلم يستطع ، فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال : الا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض(1
) لإبليس : أنا أكفيك : فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه ، وكان لا ينفتل(2) عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ، ولا يفطر إلا في عشرة أيام مرة ، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على صلاته وعلى العبادة في أصل صومعته ، فلما انفتل ، برصيصا أطل من صومعته فرأى الأبيض قائماً يصلى في هيئة حسنة من الرهبان ، فلما رأى ذلك من حاله قال له : إنك ناديتنى وكنت منشغلاً عنك فما حاجتك ؟ قال : حاجتي أنى أحببت أن أكون معك واتأدب بك واقتبس من عملك ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك قال برصيصا : أنا في شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين نصيبا ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يصلي ، فلم يلتف اليه برصيصا أربعين يوماً بعـد، فلما انفتل رآه قائمـاً يصلى ، فلما رأى شـدة اجتهاده قال له : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك : قال : فاذن له فارتفع إليه في صومعته وأقام معه حولا كاملاً يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل أربعين يوما مرة وربما يزيد إلى الثمانين ، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده تقاصرت إليه نفسه(3) وأعجبه شأن الأبيض ، لما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا أني منطلق فإن لي صاحباً غيرك ، ظننت انك أشد اجتهادا مما أرى وكأنه بلغنا عنك غير الذي رأيت، فدخل من ذلك برصيصا أمر شديد وكره مفارقته لما رأى من شدة اجتهاده فلما ودعه قال له الأبيض : ان عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير لك مما أنت فيه يشفي الله بها السقيم ويعافى بها المبتلى والمجنون . قال برصيصا : إني أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلاً وإني أخاف أن علم الناس به شغلوني عن العبادة فلم يزل به الأبيض حتى علمه الدعوات ثم أنطلق حتى أتى أبليس ، فقال : والله أهلكت الرجل .
قال : فأنطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله : إن بصاحبكم جنونا أفاعالجه ؟ فقالوا : نعم . فقال: إني لا أقوى على جنيته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيشفيه، فانطلقوا إليه ، فسألوه ذلك فدعى بتلك الدعوات فذهب عنه الشيطان وكان الأبيض يفعل مثل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا فيدعو فيعافون ، فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل فعذبها وخنقها ، ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال لهم : اعالجها ؟ قالوا : نعم قال : ان الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون فيه وتدعونها عنده اذا جاء شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنه قد عوفيت تردونها صحيحة ، قالوا : فكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك ؟ قال : أبنوا صومعة إلى جانب صومعته ثم قولوا له: هي أمانة عندك فاحتسب فيها .
قال : فانطلقوا إليه فسألوه فأبى عليهم فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ووضعوا الجارية في صومعته وقالوا : هذه أختنا فاحتسب بها ثم انصرفوا .
فلما ألتفت برصيصا من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في يده ودخل عليه أمر عظيم ، فجاءها الشيطان فخنقها فدعى برصيصا بتلك الدعوات فذهب عنها الشيطان ، ثم أقبل على صلاته ثم جاء الشيطان فخنقها وكانت تكشف عن نفسها : فجاءه الشيطان وقال: واقعها(4
) فتتوب بعد أن تدرك ما تريده منها ولم يزل به حتى واقعها ، ثم لم يزل على ذلك يأتيها زمناً حتى حملت وظهر حملها .
فقال له الشيطان : ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتلها فتتوب ، فاذا سألوك فقل : ذهب بها شيطانها فلم أقو عليه : فدخل برصيصا فقتلها . ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل . فجاء الشيطان وهو يدفنها برصيصا ليلا فأخذ بطرف أزارها ، فبقي طرف أزارها خارجاً من التراب ، ثم رجع برصيصا إلى صومعته فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم ، وكانوا يسألونه عنها فقالوا : يا برصيصا ما فعلت أختنا ؟ فقال : جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه ، فصدقوه وانصرفوا ، فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان أكبرهم في منامه فقال: ويحك أن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا ودفنها في موضع كذا وكذا فقال الأخ : هذا حلم وهو من الشيطان . برصيصا خير من ذلك . قال : فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك فقال أصغرهم لأخوته : والله لقد رأيت كذا وكذا، فقال الأوسط : قد رأيت مثله ، فقال الأكبر : وأنا رأيت مثله .
فانطلقوا إلى برصيصا فقالوا : ما فعلت بأختنا ؟ فقال: أليس قد اعلمتكم ؟، فاستحيوا منه وقالوا : والله لا نتهمك ، فانصرفوا فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم أنها لمدفونة في موضع كذا وكذا وإن طرف إزارها خرج من التراب ، فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في النوم فمشوا في مواليهم وغلمانهم ومعهم الفؤوس والمساحى فهدموا صومعته وانزلوه ثم كتفوه فانطلقوا به الى الملك فأقر على نفسه ، وذلك أن الشيطان أتاه فقال تقتلها ثم تنكر ؟ أعترف. فلما أعترف أمر الملك بقتله .
فلما صلب أتاه الأبيض فقال : أتعرفني ؟ قال : لا ، قال : أنا صاحبك الذي علمك الدعوات فاستجيب لك ، ويحك أما استحييت في أمانة خنت أهلها وانك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل ، أما استحييت ، فلم يزل يغويه ، ثم قال في آخر ذلك : الم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت أشباهك من الناس ، فإن مت على هذا الحال لم يفلح أحد من نظرائك قال : فماذا أصنع ؟ قال : تفعل ما آمرك حتى أنجيك مما أنت فيه ، فآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك، قال : وبم تأمرني ؟ قال : تسجد لي ، قال : أفعل ، فسجد له، ثم قال له الشيطان : هذا الذي أردت منك ، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك : (إِنَّي بَرِيءٌ مِّنْكَ إِنَّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).

***
· فتأمل أخا الإسلام ، كيف استطاع الشيطان الرجيم إغواء هذا العابد الذي كان نشيطاً في عبادته لله تعالى ، والذي أحتال عليه الشيطان حتى أوقعه في شباكه بما أوتى من مكر وخداع وتزييف للحقائق . ثم بعد ذلك وبعد أن أوقعه في جريمة الزنا ، والقتل وأخرجه من حظيرة الإيمان بالله : تبرأ منه.
وفي ذلك يقول تبارك وتعالى في سورة الحشر :{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ للإنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر : 16] .
وفي هذا المعنى ورد قوله وتعالى :
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. [ إبراهيم ـــ22].
فمعنى هذه الآية كما جاء في كتب التفسير : أن إبليس عندما أجتمع حوله أهل النار يلومونه – قال لهم : (أن الله وعدكم وعد الحق) : أي بالبعث والجزاء ، (ووعدتكم فأخلفتكم): أي ووعدتكم أنه غير كائن ، فأخلفتكم أي تبين خلافه . (وما كان لي عليكم من سلطان) : أي ما كان لي عليكم من قوة وقدرة أقهركم بها على متابعتي (الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) أي : على أجابتكم لي ( ما أنا بمصرخكم) أي مغيثكم من العذاب ( وما أنتم بمصرخي) أي من العذاب .
ثم بعد ذلك يعلن براءته من هؤلاء الذين أتبعوه فيقول : (أني كفرت بما أشركتمون من قبل) : أي تبرأت وأنكرت إشراككم أياي مع الله حيث أطعتموني في وسوستي لكم بالشرك.
ثم يقرر بعد ذلك مصيره فيقول : (إن الظالمين لهم عذاب أليم) وقيل: هذا الجزء وهو تقرير الله سبحانه وتعالى عن الشيطان .
· فلاحظ كل هذا أخا الإسلام وتبرأ من هذا اللعين قبل أن يتبرأ منك ، وتذكر دائماً وأبداً أنه يحرص على ضياعك وخروجك من هذه الدنيا بدون حسنة واحدة .
وقد قرأت في هذا أنه رأى إبليس رجلا يجلس بجوار جدار أوشك على السقوط ، فانتشل الرجل من يده بعيداً عن هذا الجدار الذي سقط بعد هذا مباشرة ففرح الرجل بنجاته من هذا الهلاك الذي كان محققاً لولا إنقاذ هذا الرجل له .
فيقول له إبليس : أني ما فعلت هذا حبا فيك ، ولكن مخافة أن تموت شهيداً.
· فهذا يا أخي هو إبليس اللعين الذي يحذرنا الله سبحانه وتعالى منه ومن فتنه فيقول : {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}.
[الأعراف:27].

*** ** *** *** ** ***
الشهوات لا تصنع تاريخاً
ما رأيت تاريخاً صنعته الشهوات والملذات ، ولكن دعاة الشهوات والملذات عندنا يزعمون أنهم يصنعون تاريخنا الحديث ، فهل هم جاهلون؟ أم متآمرون، أم جمعوا بين الجهل والتآمر؟.
*** *** *** *** *** ****
قال أبو الطيب المتنبي:
ومن العداوة ما ينالُكَ نَفْعُهُ
ومِنَ الصَّداقةِ ما يضُرُّ ويُؤُلمُ
----------------------
*) بتصرف من ، كتاب مكائد الشيطان، ومن كتاب تفسير القرآن الكريم للحافظ ابن كثير لسورة الحشر الآية 16.
1) أكبر أعوان إبليس .
2) لا يفرغ من صلاته .
3) رأى نفسه أقل عبادة من الأبيض.
4) أي أزن بها .

قصة جريج العابد

قصة جريج العابد *

كان في الأمم السابقة كما في كل زمان أولياء صالحون ، وعباد زاهدون، وكان جريج العابد أحد هؤلاء الصالحين الذين برَّأهم الله عز وجل ، وأظهر على أيديهم الكرامات ، بعد أن تربص به المفسدون ، وحاولوا إيقاعه في الفاحشة ، وتشــويه سمعته بالباطل ، وقد قـص علينا خــبره ــ نبينا صلى الله عليه وسلم ــ في الحديث الذي رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ، عيسى ابن مريم، وصاحب جريج ، كان جريج في أول أمره تاجرا ، وكان يخسر مرة ويربح أخرى ، فقال : ما في هذه التجارة من خير ، لالتمسن تجارة هي خير من هذه التجارة ، فانقطع للعبادة والزهد ، واعتزل الناس ، واتخذ صومعة يترهَّب فيها ، وكانت أمه تأتي لزيارته بين الحين والحين ، فيطل عليها من شُرْفة في الصومعة فيكلمها، فجاءته في يوم من الأيام وهو يصلي ، فنادته، فتردد بين تلبية نداء أمه وبين إكمال صلاته ، فآثر إكمال الصلاة على إجابة نداء أمه ، ثم انصرفت وجاءته في اليوم الثاني والثالث ، فنادته وهو يصلي كما فعلت في اليوم الأول ، فاستمر في صلاته ولم يجبها ، فغضبت غضبا شديداً ، ودعت عليه بأن لا يميته الله حتى ينظر في وجوه الزانيات ، ولو دعت عليه أن يفتن لفتن كما أخبر النبي ــ r ــ في رواية أخرى ، فاستجاب الله دعاء الأم ، وهيأ أسبابه ، وعرضه للبلاء .
فقد تذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته وزهده ، فسمعت بذلك امرأة بغي يضرب الناس المثل بحسنها وجمالها ، فتعهدت لهم بإغوائه وفتنته ، فلما تعرضت له لم يأبه بها ، وأبى أن يكلمها ، ولم يعرها أي اهتمام ، فازدادت حنقا وغيظا ، حيث فشلت في ما ندبت نفسها له من فتنة ذلك العابد ، فعمدت إلى طريقة أخرى تشوه بها سمعته ، ودبرت له مكيدة عظيمة ، فرأت راعيا يأوي إلى صومعة جريج ، فباتت معه ، ومكنته من نفسها ، فزنى بها ، وحملت منه في تلك الليلة ، فلما ولدت ادَّعت بأن هذا الولد من جريج ، فتسامع الناس أن جريجا العابد قد زنى بهذه المرأة ، فخرجوا إليه ، وأمروه بأن ينزل من صومعته ، وهو مستمر في صلاته وتعبده ، فبدأوا بهدم الصومعة بالفؤوس ، فلما رأى ذلك منهم نزل إليهم، فجعلوا يضربونه ويشتمونه ويتهمونه بالرياء والنفاق ، ولما سألهم عن الجرم الذي اقترفه ، أخبروه باتهام البغي له بهذا الصبي ، وساقوه معهم ، وبينما هم في الطريق ، إذ مروا به قريباً من بيوت الزانيات ، فخرجن ينظرن إليه ، فلما رآهن تبسم ، ثم أمر بإحضار الصبي ، فلما جاءوا به طلب منهم أن يعطوه فرصة لكي يصلي ويلجأ إلى ربه ، ولما أتم صلاته جاء إلى الصبي ، فطعنه في بطنه بإصبعه ، وسأله والناس ينظرون، فقال له : من أبوك ؟ فأنطق الله الصبي ، وتكلم بكلام يسمعه الجميع ويفهمه، فقال : أبي فلان الراعي ، فعرف الناس أنهم قد اخطأوا في حق هذا الرجل الصالح ، وأقبلوا عليه يقبلونه ويتمسحون به ، ثم أرادوا أن يكفروا عما وقع منهم تجاهه ، فعرضوا عليه أن يعيدوا بناء صومعته من ذهب ، فرفض وأصر أن تعاد من الطين كما كانت ، ولما سألوه عن السبب الذي أضحكه عندما مروا به على بيوت الزواني ، قال : ما ضحكت إلا من دعوة دعتها عليَّ أمي وهي النظر إلى وجوه المومسات .
قصة جريج كما روتها لنا كتب السنة قصة مليئة بالعبر والعظات فهي تبين خطورة عقوق الوالدين وتركِ الاستجابة لأمرهما ، وأنه سبب لحلول المصائب على الإنسـان ، وأن كل هذه المحن والابتلاءات التي تعرض لها ذلك العبد الصالح ، كانت بسبب عدم استجابته لنداء أمه .
كما تؤكد هذه القصة على ضرورة الصلة بالله ومعرفته في زمن الرخاء، وأن يكون عند الإنسان رصيد من عمل صالح وبر وإحسان ، ينجيه الله به في زمن الشدائد والأزمات ، كما نجى جريجاً وبرأه من التهمة بسبب صلاحه وتقاه.
وفيها كذلك بيان حال الصالحين والأولياء من عباد الله الذين لا تضطرب أفئدتهم عند المحن، ولا تطيش عقولهم عند الفتن ، بل يلجأون إلى من بيده مقاليد الأمور ، كما لجأ جريج إلى ربه وفزع إلى صلاته ، وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
وهي تكشف لنا عن مواقف أهل الفساد والفجور من الصالحين والأخيار في كل زمان ومكان ، ومحاولتهم تشويه صورتهم ، وتلطيخ سمعتهم ، واستخدام أي وسيلة لإسقاطهم من أعين الناس وفقد الثقة فيهم ، وبالتالي الحيلولة دون وصول صوتهم ورسالتهم إلى الآخرين .
فهؤلاء الساقطون في أوحال الرذيلة لا يطيقون حياة الطهر والعفاف ولا يهنأ لهم بال ، ولا يطيب لهم عيش إلا بأن يشاركهم الآخرون في غيهم وفسادهم ، بل ويستنكفون أن يكون في عباد الله من يستعلي على الشـهوات ومتع الحياة الزائلة ، كما قال عثمان رضي الله عنه : " ودت الزانية لو زنى النساء كلهن " .
كما أن هذه القصة تبين وقع المصيبة ، وعظم الفاجعة عند الناس ، عندما يفقدون ثقتهم فيمن اعتبروه محلاً للأسوة والقدوة ، وعنواناً للصلاح والاستقامة ، ولذا تعامل أهل القرية مع جريج بذلك الأسلوب حين بلغتهم الفرية ، حتى هدموا صومعته وأهانوه وضربوه .
فكل من تصدى للناس في تعليم أو إفتاء أو دعوة عليه أن يكون محلاً لهذه الثقـة ، وعلى قدر المسؤولية ، فالخطأ منه ليس كالخطأ من غيره ، والناس يستنكرون منه ما لا يستنكرون من غيره ، لأنه محط أنظارهم ، ومهوى أفئدتهم .
وقصة جريج تكشف عن جزء من مخططات الأعداء في استخدامهم لسلاح المرأة والشهـوة ، لشغل الأمة وتضييع شبابها ، ووأد روح الغيرة والتدين ، وهو مخطط قديم وإن تنوعت وسائل الفتنة والإغراء ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه أحمد .
وانظر كيف كان مجرد النظر إلى وجوه الفاجرات والعاهرات يؤذي قلوب الأولياء والصالحين ، ويعتبرونه نوعا من البلاء والعقوبة ، فكان أقصى ما تدعو به المرأة على ولدها أن يرى وجوه المومسات كما فعلت أم جريج ، وقارنه بحال البعض في هذا العصر الذي انفتح الناس فيه على العالم عبر وسائل الاتصال الحديثة ، وعرضت النساء العاريات صباح مساء عبر أجهزة التلفاز والقنوات الفضائية وشبكة الإنترنت ، فأصبحوا بمحض اختيارهم وطوع إرادتهم يتمتعون بالنظر الحرام ، ولا شك أن ذلك من العقوبات العامة التي تستوجب من المسلم أن يكون أشد حذرا على نفسه من الوقوع في فتنة النظر ، فضلا عن ارتكاب الفاحشة والعياذ بالله .
وهكذا يظهر لنا أن الابتلاء فيه خير للعبد في دنياه وأخراه ، إذا صبر وأحسن واتقى الله في حال الشدة والرخاء فجريج كان بعد البلاء أفضل عند الله وعند الناس منه قبل الابتلاء .

ما يستفاد من القصة:
· المتكلمون في المهد أكثر من واحد منهم غلام جُريج .
· عِظم بر الوالدين .
· قد يُجاب دعاء الأم على ولدها .
· تُقطع صلاة النافلة لإجابة الأم .
· استحباب الصلاة عند نزول الشدائد .
· ذم الكبر والإعجاب بالنفس .
· المظلوم له فضل ومزيَّة عند الله تعالى .
· من أكثر دعاء الله في الرخاء فإنه يستجيب له في البلاء.

*** **** ***

قال إبراهيم العباس الصُّولي:

ولرُبَّ نازِلةٍ يَضيق بها الفتى
ذرعاً وَعنْد الله مِنْها المخْرَجُ
ضاقت فَلَمَّا اسْتَحكَمَتْ حَلَقاتُها
فُرِجَتْ وكُنْتُ أَظُنَّها لا تُفرَجُ

----------------------------
*) ذكرها الحافظ ابن كثير ، في تفسير القرآن الكريم الآية 16من سورة الحشر.

عبقرية فريدة !

عبقرية فريدة!

عندما وصل المسلمون إلى مشارف مكة المكرمة ، ونزلوا عند الحديبية على بعد أميال من مكة وفي قلوبهم ذلك الأمل الحلو أن يطوفوا بالبيت العتيق رأوا ناقة الرسول تبرك ، وسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قوموا فانحروا ثم احلقوا) ولكن كيف يعودون بلا طواف ولا سعى ولا عمرة ؟! .
إن الأمل الحلو مازال يداعب أفئدتهم .. ورسول الله صلى الله عليه وسلام يأمرهم أن يتحللوا من إحرامهم فلم يحركوا ساكناً ! وهنا يدخل الرسول صلى الله عليه وسلمعلى زوجه أم المؤمنين أم سلمة وذكر لها ما لقى من الناس وأنه قال لهم : قوموا فانحروا واحلقوا فو الله ما قام منهم أحد.
هنا تفتق ذهن أم سلمة عن عبقرية قلّ نظيرها في التاريخ ! قالـــــت : يا نبي الله ، أتُحب ذلك ؟ قال : نعم.
قالت : أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك ، وتدعو حالقك فيحلقك .
فخرج صلى الله عليه وسلم فلم يكلم أحداً حتى فعل ذلك .. نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا . إن الأمر اللفظي لم يحرك ساكن أحد . فليكن الأمر العملي هو الذي يحسم الموقف .
فياله من درس تربوي خالد فقهناه من أم سلمة رضي الله عنها خِرّيجة بيت النبوة عن دور القدوة العملية في التربية.

***

الموت ولا المعصية

الموت ولا المعصية

كان أحد التجار في منزله ذات ليلة فقُرع الباب ، وإذا بشابة جميلة تشكو إليه جوعها ، فحادثها ، ثم راودها عن نفسها ، فقالت :
المــــــــــوت جوعـــــــــــــاً .. ولا معصــــــــية ربـــــــــــــي !
ثم رجعت من حيث أتت .
وبعد أيام عادت وتوسلت إليه لكي يساعدها ، ويطعمها لوجه الله ، فقال لها : لا إلا أن تمكنيني من نفسك ، فقالت :
الموت خير من عذاب الله .. وخرجت وهي تقول:

أيـا واحــداً شــَــمِلَ الخَلْقَـا
بسَمْعِك ما أشكو.. بعينـِك ما ألْقى
لقد صدمتنى شدة وخصَاصَةٌ
ونازلني ما بَعضه يمنع النُطْقا (1)
كأني ظمـآن تَرَى الماءَ عينُـه
فلا غُلّة تُروَى ، ولا شربةٌ تُسقى
تُنازِعُنِي نَفْسي إلى نيـلِ أكلةٍ
لذاتُهـا تَفْنىَ وغُصَتُها تَبْقـَى
أأعصيك بعد الفضلِ والجوعِ والهُدى
وكيفَ وبالطاعتِ أَسْتَجْلبُ الرّزقا؟!
سأتْلِفْها في نيلِ حُــبك سيّدي
عساىَ بها أسْتَوْجِبُ القربَ والعِتْقَا!

فجزع التاجر لما سمع قولها ، وقال لها : عودي وكلي ما شئت من الطعام في أمان الله !
فقالت : اللهم كما أنرت قلبـه ، وهديت لبه ، فأجب دعــــاءه ، ولا ترده خائباً ، فكان ما دعت به ، وملأ الله قلبه بالإيمان ، فتزوجهـا وعاشا في أمان .

--------------------------------------
1) الخصاصة : الجوع . ونازلني قاتلنى وأصابني

الصبر على المصيبة

الصبر على المصيبة

لـمّا كان الصبر مأموراً به جعل الله سبحانه له أسباباً تعين عليه وتوصل إليه ، وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسباباً تمدّه وتعين عليه ، كما أنه ما قدّر داءاً إلا وقدر له دواءً وضمن الشفاء باستعماله ، فالصبر وإن كان شاقاً كريهاً على النفوس فتحصيله ممكن ، وهو يتركب من مفردين : العلم والعمل ، فمنهما تركّب جميع الأدوية التي تداوى بها القلوب والأبدان ، فلابد من جزء علمي وجزء عملي فمنهما يركب الدواء الذي هو أنفع الأدوية. ([1])
قال الله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة : 155ــ157] ،وقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر : 10] .
فاحمد الله أخي دائماً وابداً لأن البلاء وكل مصيبة تهون إن لم تكن في الدين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ولا تجعل مصيبتنا في ديننا).
في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبي لها ، فقال لها : ((اتقي الله واصبري)) ، فقالت : وما تبالي بمصيبتي ، فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله r . فأخذها مثل الموت ، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوّابين ، فقالت يا رسول الله لم أعرفك . فقال : ((إنما الصبر عند أول صدمة)) . وفي لفظ ((عند الصدمة الأولى)) . وقوله الصبر عند الصدمة الأولى مثل قوله ((ليس الشديد بالصرعة (
[2]) إنما الشديد من يملك نفسه وقت الغضب([3]) ، فإن مفاجآت المصيبة بغتة ، لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها . فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليها استدامة الصبر ، وأيضاً فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه ، وهي الصدمة الأولى . وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها وعلم أنه لا بد له منها فيصبح صبره شبيه الاضطرار . وهذه المرأة لما علمت أن جزعها لا يجدي عليها شيئاً جاءت تعتذر إلى النبي r كأنها تقول له : قد صبرت ، فأخبرها أن الصبر إنما هو عند الصدمة الأولى([4]) .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال : ماتت رقية ابنة رسول الله r فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((دعهن يا عمر يبكين وإياكن ونعيق الشيطان)) ، ثم قال: ((إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله ومن الرحمة ، وما كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان)) (
[5]).
وفي جامع الترمذي ومسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته : قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون : نعم، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي؟ فيقولون : حمدك واسترجعك ، فيقول ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد (
[6]).
وفي صحيح البخاري من حديث أنس أن رسول الله r قال : ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر ، عوضته عنهما الجنة )) (
[7]) . يريد عينيه.
وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الصبر؟ فيقوم ناس وهم قليلون فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون : إنا نراكم سراعاً إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون : نحن أهل الفضل . فيقولون : ما كان فضلكم؟ فيقولون : كنا إذا ظُلمنا صبرنا ، وإذا أسيء إلينا غفرنا ، وإذا جُهل علينا حلمنا ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين(
[8]).
وفي بعض المسانيد عنه r أنه قال : (( قال الله عز وجل : إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً)) (
[9]).

***
قال الشاعر أبو صخر الهذلي :

ولـمَّا دعـوتُ الصَّـبْـر بَعْدَكِ والبُكا
أجاب البُكا طَوْعاً ولَمْ يُجِبِ الصَّبْـرُ

-----------------------------
1) الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية ، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ، ص 64، المكتبة العصرية ، بيروت.
1) الصرعة : الذي يصرع الناس كثيراً ويغلبهم.
2) البخاري (6114) ، مسلم (2609)
3) البخاري (1283) ، مسلم (926) ، أحمد ( 3/143.
4) أحمد1/335 ، كنز العمال (42476).
5) الترمذي(1021) ، الترغيب والترهيب 6/337.
6) البخاري (5653).
7) إحياء علوم الدين 3/262
8) إتحاف الأشراف 9/27 / كنز العمال (6561).

الذي أبكاك هو الذي أضحكك ?!

الذي أبكاك هو الذي أضحكك *

ورد في بعض الآثار أنَّ الله عز وجل أرسل ملك الموت ليقبض روح امرأة من الناس فلما أتاها ملك الموت ليقبض روحها وجدها وحيدة مع رضيعاً لها ترضعه وهما في صحراء قاحلة ليس حولهما أحد ، عندما رأى ملك الموت مشهدها ومعها رضيعها وليس حولهما أحد وهو قد أتى لقبض روحها ، هنا لم يتمالك نفسه فدمعت عيناه من ذلك المشهد رحمة بذلك الرضيع ، غير أنه مأمور للمضي لما أرسل له ، فقبض روح الأم ومضى ، كما أمره ربه:
{ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } التحريم -6 .
بعد هذا الموقف ــ لملك الموت ــ بسنوات طويلة أرسله الله ليقبض روح رجل من الناس فلما أتى ملك الموت إلى الرجل المأمور بقبض روحه وجده شيخاً طاعناً في السن متوكئاً على عصاه عند حدّاد ويطلب من الحداد أن يصنع له قاعدة من الحديد يضعها في أسفل العصى حتى لا تنحته الأرض ويوصي الحداد بأن تكون قوية لتبقى عصاه سنين طويلة .
عند ذلك لم يتمالك ملك الموت نفسه من الضحك والتعجب من شدة تمسك وحرص هذا الشيخ وطول أمله بالعيش بعد هذا العمر المديد ، ولم يعلم بأنه لم يتبق من عمره إلا لحظات ، فأوحى الله إلى ملك الموت قائلاً: فبعزتي و جلالي إنَّ الذي أبكاك هو الذي أضحكك .سبحانك ربي ما أحكمك سبحانك ربي ما أعدلك سبحانك ربي ما أرحمك ، نعم ذلك الرضيع الذي بكى ملك الموت عندما قبض روح أمه هو ذلك الشيخ الذي ضحك ملك الموت من شدة حرصه وطول أمله.

***

ذات الخمار الأسود

ذات الخمار الأسود

قدم بعض التجار مدينة رسول لله ز ومعه حملٌ من الخُمُرِ([1]) السود ، فلم يجد لها طالباً ولا شارياً ، فكسدت عليه وضاق صدره . فقيل له : ما يُنفقها لك إلاَّ «مسكين الدارمي»([2]) وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالظرف.
فقصده فوجده قد تزهّد وانقطع في المسجد ، فأتاه وقصّ عليه القصة.
فقال : وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال؟.
فقال التاجر: أنا رجل غريب ، وليس لي بضاعة سوى هذا الحِمل ، وتضرَّع إليه ، فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول وعمل هذه الأبيات وشهرها وهـي:

قُلْ للمليحة في الخمار الأســـود ماذا فعـلتِ بناســــــــكٍ متعبّدِ
قد كان شـــــمّر للصــــلاة ثيابه حتى قعــدتِ له بباب المسجد
ردّي عليه ثيابه وصــــــــــلاته لا تقتليه بحـــقّ دين محمّــــد

فشاع بين الناس أن «مسكيناً الدرامي» قد رجع إلى ما كان عليه ، وأحبَّ واحدة ذات خمار أسود ، لم يبق في المدينة ظريفة إلاَّ وطلبت خماراً أسود.
فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه ، لكثرة رغباتهم فيه ، فلما فرغ منه عاد «مسكين» إلى تعبده وانقطاعه.

----------------------

1) الخمار جمع خِمار ، وهو ما تغطي به المرأة وجهها .
2) مسكين الدرامي : هو ربيعة بن عامر ، توفي سنة 89هـ

الحسد داء وبيل

الحسد داء وبيل
( أدلة القرآن والسنة لحقيقة الحسد) *

من القرآن الكريم :
قال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم] [109: البقرة].
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [54: النساء].
{ وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ { [القلم:51]
{وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق:5].
{لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ } [الحجر:88].
{وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} [الكهف:39].
{وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} [يوسف:67].
فالحسد ما ذكر في القرآن إلا وله واقع وحقيقة وإن كان باطلاً ولكن ليعلم الناس أنه كائن بين الناس.
من السنة المشرفة :
عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا أستُغسلتم فاغسلوا» [رواه مسلم وأحمد والترمذي].
ومعنى استغسلتم فاغسلوا أي إذا حسد رجل رجلاً فإنه يؤمر بالاغتسال ليأخذ المحسود الماء بعد غسله فيغتسل به هو الآخر وذلك من الأدوية الناجحة النافعة لإزالة الحسد.
قالت عائشة رضي الله عنها : «كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغسل منه المعين» [أبو داود].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو العشب» [ أخرجه أبو داود وابن ماجه] .
وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليُبرِّك عليه فإن العين حق» [رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة] .
قال صلى الله عليه وآله وسلم «العين حق حتى تدخل الجمل القدر والرجل القبر» [متفق عليه] .
عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس» [رواه البزار] .
عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، حالقة الدين لا حالقة الشعر ، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» [رواه أحمد والترمذي والبيهقي والبغوي] .
وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم: «إذا رأى أحدكم من نفسه وماله ما يعجبه فليدع بالبركة» [رواه ابن السني في اليوم والليلة] .
ولذا قال الناس في المثل المشهور ما يحسد المال إلا أصحابه (وغير أصحابه من الحاسدين) فمن أجل ذلك حثنا صلى الله عليه وآله وسلم على الدعاء بالبركة ليبارك الله فيه ويحفظه سبحانه وتعالى .
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اشتكيت يا محمد ، قال نعم ، قال «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسد والله يشفيك بسم الله أرقيك» [رواه مسلم وأحمد].
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس : مالى أرى أجسام بنى أخى ضارعة (خفيفة نحيفة) تصيبهم الحاجة . قالت :
لا ولكن العين تسرع إليهم . قال : أرقيهم ، قالت : فعرضت عليه . فقال : «أرقيهم» [رواه مسلم] .
وعن إبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن العين حق. [رواه أحمد وابن ماجه] .
كيف يتم الحسد ؟ :
لكل إنسان شيطان (قرين) يجري في جسده مجرى الدم ، وهو سر انحرافه والدافع للعصيان ، وكلما كان الإنسان قوياً في إيمانه منتصراً بطاعته لله عز وجل كان شيطانه هزيلاً وضعيفاً مخذولاً وكلما كان الإنسان خالياً من نور الله بطيئاً في طاعة الله مستسلماً لطاعة شيطانه كان شيطانه مستحوذاً عليه متمكناً منتصراً ، وهذا غالباً حال أهل الحسد شيطانهم قوي متمكن ، إذا شاهد الحاسد نعمة ولم يبارك برك الشيطان على نفسه وقيده وانطلق هو مخرباً ليؤكد للناس أنه (أي الإنسان) حاسد شرير وبذلك يحقق ما توعد به ولأغوينهم أجمعين}.
قال ابن قيم الجوزية : وعقلاء الأمم (وليس الأمة فقط) على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره وإن اختلفوا في سببه ، ووجهة تأثير العين، فقالت طائفة : إن العائن إذ تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين (المحسود) فيتضرر . وقالوا : ولا يُستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك وهذا أمر قد أشتهر عن نوع من الأفاعي إنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك فكذلك العائن . وقالت فرقة أخرى : لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية فتتصل بالمعين (المحسود) وتتخلل مسام جسمه فيحصل له الضرر (إذا شاء الله).
هذه تصورات لصورة الحسد وكيف يتم ، وهي في الحقيقة كلها حق ولايتعارض بينها لأن المحصلة تقول إن تلك السمية ، وهذا الشر المستطير ينبعث بقوة خفية يهيمن عليها شيطان الإنسان الذي يتحرك بالخراب والإفساد ، والعيون لا تراه وإن كانت عين العائن أو نفس الحاسد هي التي تمنت زوال أو تحول النعم ، فكما أطاع ذلك الحاسد الشيطان (حقداً على الناس) فسرعان ما الشيطان يطيعه للتنفيذ العملي في صورة الحسد ، الذي أجج ناره قرين ذلك الحاسد ، وقد ثبت في الصحيح «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه» قالوا : وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير».
وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
وهذا الشيطان القرين يتحكم في صاحبه كلما نسى ذكر الله } وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف : 36] .
وهذا القرين يكون بمثابة منفذ الأوامر التي تختلج بأضلع الحاسد ليتم حسده . يروي الأصمعي : رأيت رجلاً عيونا (حاسداً) كان يقول إذا رأيت الشيء وجدت حرارة تخرج من عيني . (وكأنها إنطلاق القرين الذي هو مخلوق من نار وكأنه لا يخرج إلا من عينيه والله أعلم).
وقال ابن القيم : «العين عينان عين إنسية وعين جنية». يعني إن لم يتحقق الحسد عن طريق عيون الإنسان فعين الشيطان ألعن . فقد جاء في عمدة القاري ج17 ص404 قال الخطابي : عيون الجن أنفذ من الأسنة (الرماح) ولما مات سعد سُمع قائل من الجن يقول :

نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بســـــهم فلم يخط فــــــؤاده

قال : فتأوله بعضهم أي أصبناه بعين ، فلا غرابة أن يتم أمر الحسد عن طريق الشيطان الذي توعد ابن آدم بالشر والغوايه وكل ذلك كان بدءاً من البداية حسداً من الشيطان للإنسان الذي كرمه الله بطاعته ، ولكن واحسرتاه ما زال القدر الأكبر من البشر يعبدون عدوهم الشيطان الذي كلما عبدوه أذلهم وأهانهم وعذبهم ونشر الشر بينهم .
قال تعالى : {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ *ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [الأعراف: 12ــ17] .
سبحان الله } ولاتجد أكثرهم شاكرين { توعد بأن يجعلهم من الحاسدين}.
قال ابن قيم الجوزية ([1]) : تأثير العين غير موقوف على الاتصالات الجسمية، بل التأثير يكون تارة بالاتصال وتارة بالمقابلة وتارة بالرؤية وتارة بتوجيه الروح نحو من يؤثر فيه وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات وتارة بالوهم والتخيل ، ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره.
ولذا نجد قوله تعالى { حسداً من عند أنفسهم } يؤكد أن الحسد ينطلق من النفس الشريرة التي يجري فيها الشيطان مجرى الدم فينشر الشر والخراب بين الناس بقوة فعله كقوة خفية تريد الفتنة بين الناس بما تزرعه من حسد في أنفسهم.
إلى أن قال ابن قيم الجوزية : وهي سهام تخرج من نفس الحاسد العائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفاً لا وقاية عليه أثرت فيه ولا بد ، وإن صادفته حذراً شاكى السلاح ولا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه (بمعنى أنه قوي الإيمان متحصناً بالقرآن والأذكار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فالحسد ينفذ من النفس الخبيثة عبر البصر بقوة الشيطان الخفية التي تؤدي المهمة دون أن يراها تخريباً وتدميراً وهذا هو واقع الحسد العلمي.
ويعرف الحاسد بعلامات :
1- إن رأى نعمة على أحد لم يبارك ولا يحمد الله ولا يصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2- كثير الشكوى من قدر الله وتراه دائماً ضجراً لا يحمد الله وقلما يحدث بنعم الله التي يتنعم فيها.
3- قليل الذكر كثير التكالب على الدنيا وأكثر ما يتكلم في المال وحطام الدنيا الفاني.
4- ترى على وجهه صفرة واسوداداً وكآبة وهو عبوس دائم الحزن كثير الفضول والتطفل.
وصدق الله {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [آل عمران:120] .
وصدق الشاعر :
ألا لـمن كـــان لـــــي حاســـــــداً أتدري عـلى مـن أســـأت الأدب
أســـــــأت على الله فــــي فعــــله لأنـك لـم ترض لـي مـا وهــــب
فجـازاك عني بأنه زادنــــــــــي ســـــد عــليك وجــــوه الطـــلب
***
الحسد في حياة الناس :
كثيراً ما نرى حدوة حصان أو سنابل القمح أو أن يوضع حذاء طفل صغير أو ودعة في مداخل المنازل على الأبواب أو في مقدمة السيارات أو في أعناق الخيول والدواب ، وهذا الخوف من الناس ليس من شيء إلا اسمه الحسد ، وهذا أمر إن أعتقد أنه يمنع العين فهو ضرب من البدعة قد تصل إلى الشرك . لقوله صلى الله عليه وسلم «من علق تميمة فقد أشرك» [ أحمد والحاكم ورجاله ثقات] .
وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت : إن عبد الله رأى في عنقي خيطاً فقال : ما هذا ؟ قلت : خيط رقي لي فيه . قالت : فأخذه ثم قطعه ثم قال : أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله r يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» [ رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم].
والتولة نوع من السحر (عمل) يجلب المحبة بين الرجل وزوجه (على ما يزعمون) . ولكن إن علق شيئاً مكتوباً عليه ما يذكر بالدعاء بالبركة كقول تبارك الله أحسن الخالقين ، أو ما شاء الله تبارك الله على الجدار كاللوحة فلا حرج . أو شيء جميل أو تحفة (لا تكون صورة ولا تمثال) تصرف نظر الناظر وتشغل نفسه عن ما هو أروع وأجمل وأجمل بحيث لا يركز عينه ويحقد بنفسه فيحدث الحسد دون الاعتقاد بأن تلك الأشياء تجلب السعد أو تمنع الشر فلا حرج والله أعلم ، وذلك لما ذكره البغوي في كتاب شرح السنة : أن عثمان رضي الله عنه رأى صبياً مليحاً فقال : دسموا نونته لئلا تصيبه العين . ومعنى دسموا أي سودوا (بالحنا السوداء مثلاً) . ونونته أي النقرة الخفيفة في الذقن محل الحُسن.
فعلى المسلم إذا رأى شيئاً يعجبه أن يحمد الله ويقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، أو يقول : تبارك الله أحسن الخالقين اللهم بارك فيه أو اللهم بارك فيه ولا تضره .
وليحذر أن تخدعه نفسه بالأماني والتمنى لكيلا يغزوه الطمع فينتشر الحقد في نفسه وينقلب حاقداً حاسداً أنعُمَ الله على البشر فيتمنى زوالها أو تحولها منهم إليه وهذا يختمر في أعماقه فيطفح بالحسد وما يجني شيئاً مما تمناه بل يجني الهم والغم والإثم.
وصدق الشاعر :

أصــــبر على حســد الحســـــــود فـــإن صـــــــــــبرك قاتلــــــــه
كالنــــــــار تأكـــــل بعضهــــــــا إن لــــــم تجــــــد ما تأكلــــــــه

وإن العاقل التقي النقي هو الذي يعلم بأن النعم من المنعم وحده وأن لكل إنسان في هذه الدنيا الفانية نصيبه ويكفي الإنسان من نعمة الإسلام العظيم ونعمة الصحة وستر الله عليه وإلا فما دون ذلك كله متاع قليل طالت الأيام أو قصرت سينفد أو صاحبه سيودعه ولن يأخذه معه ، ناهيك عن أن صاحب النعمة مهموم بالحرص عليها والخوف من ضياعها، فعلى المسلم أن يرضى بما قسم الله ويتمنى ويبارك بقاء وزيادة تلك النعم ليعيش الناس في محبة وخير ووئام .
قيل لأعرابي عمر مائة وعشرين سنة : ما أطال عمرك ؟ فقال : تركت الحسد فبقيت .
يا طالب العيش في أمـن وفي دعــــة رغـــداً بــــلا قـــــتر صـــفواً بـلا رنـــــــق
خلص فـــؤادك من غـــل ومن حســـــــد فالغل في القلـــــب مثل الغل في العنق
فلذا يدعونا مولانا تبارك وتعالى أن لا نتمنى الأماني ونحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله بل نسأل من أعطاهم فهو صاحب الفضل العظيم وبيده الخير وحده سبحانه وتعالى.
قال تعالى : } وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا { [النساء: 32] .
قال تعالى على ما نصح يعقوب عليه السلام أبناءه درءاً للحسد : {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ { [يوسف: 67] .
ولقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية : «خشي عليهم العين وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء وكان عددهم كثير ، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه».
ولذا جاءت بعدها الآية : }{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف:68] .
بمعنى أن يعقوب عليه السلام كان يخشى عليهم عيون الحاسدين ، وإن كان أمر الله نافذاً لا محالة إلا أنه أخذ بالأسباب ولكن أكثر الناس يجهلون هذا الأمر والتحصن منه والله أعلم.
لدحر الحاسد وعافية المحسود :
وللوقاية من العين ورد العائن (الحاسد) نورد هذا الدعاء العظيم الذي ذكره ابن قيم الجوزية في زاد المعاد في هدى خير العباد :
فعن أبي عبد الله اليناحي : أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة وكان في الرفقة رجل عائن قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه فقيل لأبي عبد الله : إحفظ ناقتك من العائن ، فقال : ليس له إلى ناقتي سبيل (بمشيئة الله) ، فأخبر العائن بقوله ، فتحين (العائن الحاسد) غيبة أبي عبد الله فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها (حسدها) وهي كما ترى فقال : دلوني عليه فدٌل .
فوقف عليه وقال :
بسم الله حَبَس حابس وحجر يابس وشهاب قابس (دعاء عليه) رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه } فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسئأً وَهُوَ حَسِيرٌ { [الملك: 3ــ4] . فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها .
الحصن الحصين لردع العائن اللعين :
بعد أن تتوضأ للصلاة تصلى ركعتين لله وتدعو بهذا الدعاء : تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء واعتصمت بربي ورب كل شيء. وتوكلت على الحي الذي لا يموت .
واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله . حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الرب من العباد حسبي الخالق من المخلوق . حسبي الرازق من المرزوق. حسبي الذي هو حسبي .. حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه .. حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا .. وليس وراء الله مرمى .
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم .

للحفظ من عين الإنس والجان :
عن عمران بن حصين أن النبي r قال : «فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرأها عبد في دار فتصيبهم في ذلك اليوم عين إنس أو جن» [الدليمي] .
كيف نداوي من أصابته العين :
عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي كرم الله وجهه : أن جبريل عليه السلام أتى النبي r فوافقه مغتماً ، فقال يا محمد ما هذا الغم الذي أراه في وجهك ؟
قال : الحسن والحسين أصابتهما عين .
قال : صدق بالعين فإن العين حق أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات.
قال : وما هن يا جبريل ؟
قال : قل «اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم وذا الوجه الكريم وليّ الكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس» فقالها النبي r فقاما يلعبان بين يديه .
فقال النبي r «عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله» [تفسير ابن كثير ج4 ص411 ورواه البزار وذكره الحافظ بن عساكر] .
آيـــات الشــــــفاء :
نقل عن الشيخ أبي القاسم القشيري أن ولده مرض مرضاً شديداً ، قال: حتى أيست منه واشتد الأمر عليَّ ، فرأيت في المنام النبي r وشكوت له ما بولدي فقال لي : أين أنت من آيات الشفاء فانتبهت ففكرت فيها فإذا هي في ستة مواضع من كتاب الله تعالى وهي قوله تعالى : } وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ{ [التوبة: 14] ، } وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ { [يونس:57] . }يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ{ [النحل :29] . } وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ { [الإسراء:82] . }وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ { [الشعراء:80]. }قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء{ [فصلت:44].
قال : فكتبتها في صحيفة ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من عقال.
------------------------------------------
* ) أبو الفداء محمد عارف ، كيف نداوي ونتقي السحر ، مكتبة المأمون ، 1990م،ص70
1) زاد المعاد ج3 ص118

السحر بين الحقيقة والوهم

السحر بين الحقيقة والوهم *

قال تعالى [فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ] (الأعراف:116) .
إن السحر مأخوذ كلفظ من السحر الذي هو ظلمة ما قبل الفجر التي تنقشع ببزوغ فجر يوم جديد لا ظلمة فيه ولذا سمى السحور سحوراً لأنه في وقت السحر قبل الفجر .
«وهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا يتعذر معارضته».
وقد عُرف السحر منذ أن غوى الشيطان الإنسان مما قرب بين الطرفين باستسلام من قبل الإنسان العاصي أن يسخر لطاعة الشيطان في عصيان ربه، ولكي يستشري الشر والفساد في الأرض احتال الشيطان على من يطيعه من البشر بأن يخدعهم بألاعيب يحدثها بنفسه دون أن يرى ، كنشر سموم بعض الأمراض فيمرض الإنسان بمرض هو مادي ملموس ، وأصله خفي غير محسوس أو كسرقة أشياء يترتب عنها حدوث فتنة وبغضاء ، سواء بين المتعاملين أو تحويل صحيح في كلام لسيء أو خطأ ، أو الربط للأزواج مما يوهن العلاقة ويفصم عُرى المحبة ليتم الطلاق والخراب أو وضعه لفيروسات مدمرة للعقل فيحدث الخبل والجنون لسليم السوية والعقل ، أو نفث غبار أو دخان يعمى على العيون ليبدل ما هو أمامهم من حال إلى حال ،أو تسليط شعاع غير مرئي كصاحبه (الشيطان) فيصيب الإنسان بالداء وهلم من المؤثرات والأسلحة الشيطانية غير المرئية مثله معه كمخلوق هو غير مرئي فيحدث ما يسمى بالسحر .
فالسحر هو سلاح من أسلحة الشيطان الخفية ولذا جاء في قوله تعالى في سورة البقرة [وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ] فمصدر تعلم السحر هو الشيطان فلذا الساحر يقتل لأنه عابد للشيطان عدو الإنسان .
قال تعالى [هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ] [الشعراء : 221ــ223] .
وما من ساحر إلا وله شيطان مريد يسعى له في تحقيق ما يصبوا إليه من أعمال شريرة أو أعمال تخدع الناس بأفعال غريبة عجيبة كالساحر في السيرك وإلا فما تفسيرنا لساحر السيرك الذي يكون أمامه على منضدة شيء وفجأة يختفي إلا أن له شيطاناً يتعامل معه قد أخذ ذلك الشيء فاختفى معه لأنه هو خفي عن العيون .
والغاية من كل ذلك قلب الحقائق وتعبيد الناس للشيطان وفتنتهم وسبحان الله نجد بلاغة وإعجازاً في كلام الرحمن عز وجل بأن إرادة الشيطان مع حيله وألاعيبه وخداعه [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا] [النساء: 76] ما تتم إرادته لأمر إلا إذا كان قد قدر من الله لحمة وابتلاء من الله لعباده ليستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم وليعلموا أن الإسلام دين عظيم وليس دين خزعبلات ولا خرافات ولكن دين علم ويقين وحق ووضوح . فمع تعلم السحرة ما يفرقون به بين المرء وزوجه إلا أن ذلك «وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ». وكل ذلك السحر تجد أنه يشترى فهناك مدارس في أوروبا والهند والبلاد الكافرة التي يتعلمون فيها السحر بالمال.
وتدبر قوله تعالى : [وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ] فالسحر علم شيطاني خطير أستاذه الشيطان الرجيم وتلاميذه السحرة وما التلميذ فيه إلا كالكلب يجرى نحو فريسته بإشارة الشيطان الذي يضع له فيها الُطعم فمثلاً كنت أعرف أنا شخصياً شاباً ورعاً أحسبه من الصالحين كان يكثر من قراءة القرآن وكان يسكن بجوار قسيس صليبي حاقد وفجأة أصيب هذا الشاب الطيب بمرض عجيب مع أنه طبيب أحس بأنه تائه لا يريد أن يذهب لعمله وكره زوجته وبيته وأوشك أن يهيم على وجهه على غير جادة أو هدف .
ولكن بفضل الله عرف السبب وببركة القرآن تم الشفاء وأخزى الله ذلك القسيس الساحر اللعين .
فشيطان القسيس هو الذي علمه السحر فسحر ذلك الشاب وحينما سُلط عليه شاع من نور القرآن اندحر وولى هارباً لأنه ضعيف ولأنه باطل وشر. وعظمة القرآن تقهر كل باطل وتطفئ كل شر ببركة الله وحده عز وجل . قال تعالى [لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله] [الحشر:21] .
قال تعالى : [وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين] (الإسراء:82) .
قال تعالى :}وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا{ [45: الأحزاب].

كيف يكون السحر :
قال تعالى : [ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ] [102:البقرة] .
إن حقيقة السحر تكمن في أنه علم شيطاني تسخر فيه مردة الشياطين لخدمة الإنسان الأفاك الأثيم .
قال تعالى : [هل أنبئكم على من تنزل الشيطان . تنزل على كل أفاك أثيم ] [221ــ222: الشعراء] .
فحينما يصل هذا الأفاك الفاسق في عبادة الشيطان لدرجة الإخلاق والتقرب والإذعان يستجيب له الشيطان فيحقق له الخوارق والغرائب التي تفتن السذج والبلهاء والجهلاء من الناس وكل ذلك بقدرة الله وحده ليميز الخبيث من الطيب . ولذا ستكون فتنة المسيخ الدجال في آخر الزمان قائمة على السحر كما كانت بداية السحر في أرض الفراعنة بمصر لأنهم عبدوا الجبت والطاغوت .
ففي مدينة زاييس (صان الحجر بالشرقية بمصر) حينما أرسل الله إليهم موسى ليبلغ فرعون والشعب الفرعوني في مصر دعوة التوحيد ليعبدوا الله وحده ، كانت هذه المدينة معقل السحرة ومدرسة السحر بمصر فكان السحرة فيها يحولون عن طريق الشيطان عصيهم إلى حيات فكان من يراها يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى لأنهم بمعاونة الشياطين يسحرون بها أعين الناس . قال تعالى : [ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ]. [66ــ69: طه].
وقد أوضح الإمام الغزالي كيفية السحر فقال : «السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطلع النجوم فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور ويترصد له وقت مخصوص من المطالع وتقترن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع يتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين وتحصل من مجموع ذلك أحوال غريبة في الشخص المسحور».
وقال ابن خلدون في مقدمته ص 102: «ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنوع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل فهي لذلك وجهة إلى غير الله وسجود لغيره والوجهة إلى غير الله كفر فلهذا كان السحر كفراً».

حكم الساحر وما يستحق في الإسلام :
قال تعالى : [وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ...] [البقرة: 102].
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئاً وكل إليه». [أخرجه النسائي وابن مردويه].
وحكم الساحر أن تقطع عنقه لما رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حد الساحر ضربه بالسيف».
وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل موته بشهرين «أقتلوا كل ساحر وساحرة». [أخرجه أحمد وعبد الرزاق والبيهقي].
وروى الإمام مالك في الموطأ : «أن حفصة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت».
فعلى كل مسلم أن يحذر السحر والسحرة فلا يذهب لساحر حتى لا ينقض توحيده ويرتد عن الإسلام ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم : «من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد».

كيف نتقي السحر ونداويه :

قال تعالى: [وأيوب إذ نادي ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين] [83 ــ 84 : الأنبياء].
فلكي نحصن أنفسنا من هذا الشر علينا أن نكون مسلحين بالتوحيد الخالص وذلك بأداء جملة الفرائض المتمثلة في عبادة الله عز وجل والكفر بالطاغوت الحاكم بغير ما أنزل الله (*) وأن نجعل القرآن على ألسنتنا وإذكار النبي محمد صلى الله عليه وسلم لليوم والليلة وأن نعوذ أنفسنا وأولادنا وأهلينا بالمعوذتين وآية الكرسي والإخلاص ونتجنب صحبة الفاسدين والمشركين ونهجر كل أماكن اللهو والفساد وأن نجعل بيوتنا تصدع دوماً بالقرآن ترتيلاً وعملاً وحفظاً وفهماً وتعليماً ولنطرد كل مسببات دخول الشياطين كأجهزة الموسيقى والغناء والصور والتماثيل ولنحيا حياة إسلامية بحق وصدق وإخلاص لوجه الله الكريم [ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ] [64: يوسف] [وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً ] [الأنعام:61] . فالله يحفظ كل عبد من عباده الصالحين لأنه يحبه والمحب لمن أحب مطيع ، فلن يضر العبد الصالح لا سحر ولا شيطان ، وإن أبتُلي مرة فرحمة الله سرعان ما تكتنفه بالسلامة والعافية ، ولذا نجد أكثر من تمكن السحر منهم ويطول فيهم هؤلاء الذين أعرضوا عن الله عز وجل ، فتمكن الشيطان منهم فأصبحوا فريسة للسحر مستسلمة، أما أهل الإيمان عباد الرحمن فكما قال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ] [الأعراف: 201] فبذكر الله وتقوى الله يكون العبد في حفظ الله ومحصناً من السحر إن شاء الله.
تعويذة تحفظ وتقي من السحر ومن كل بلاء
[1]:
حينما تستيقظ كل يوم لتصلى الفجر بعد أذكار ختم الصلاة تقول: بسم الله الذي لا يضر مع أسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاثاً) وكذلك مثل ذلك مساءاً لقوله صلى الله عليه وسلم : «من قال بسم الله الذي لا يضر مع أسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) حين يمسى لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي». [رواه ابو داود والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح].

لإبطال السحر :

قال ابن كثير في تفسيره للآية 102 من سورة البقرة :
قلت : أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهما (المعوذتان) وفي الحديث «لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما» وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان.
فعن زيد بن أرقم قال «سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود فاشتكى ، فأتاه جبريل عليه السلام فنزل عليه بالمعوذتين وقال : إن رجلاً من اليهود سحرك والسحر في بئر فلان ، فأرسل (النبي صلى الله عليه وسلم علياً (كرم الله وجهه) فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية ويحل (أي من المعوذتين ) حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال) أخرجه عبد بن حميد في مسنده وأبن مردويه من حديث عائشة مطولاً وكذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

رقية جبريل عليه السلام :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل ، فقلت : بلى بأبي أنت وأمي فقال : بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يأتيك من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد» فرقى بها ثلاث مرات . [أخرجه ابن ماجه وابن سعد والحاكم].

الفاتحة فاتحة الخير تعالج السحر :
تمسك برأس المسحور وتقرأ عليه الفاتحة فوالله إنها لمجربة ومؤكدة في كل خير .
قال إبن القيم «مكثت بمكة مدة يعتريني أدواء ولا أجد طبيباً ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيراً عجيباً فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً فكان كثير منهم يبرأ سريعاً ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع». [الجواب الكافي ص15].
وعن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل راجعاً من عنده فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد فقال أهله : إنا قد حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فهل عنده شيء يداويه؟ قال : فرقيته بفاتحة الكتاب ثلاث أيام كل يوم مرتين فبرئ فأعطوني مائة شاة فأتيت رسول الله r فأخبرته فقال: خذها فلعمري لقد أكلت برقية حق. [رواه أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه].

حرز عظيم من القرآن الكريم :
قال المحدث الدهلوي الشيخ أحمد ولي الدين في كتابه «القول الجميل»[2]: ثلاث وثلاثون آية تنفع من السحر وتكون حرزاً من الشيطان واللصوص والسباع :
أربع آيات من أول البقرة ، وآية الكرسي ، وآيتان بعدها إلى «خالدون» وثلاث من آخر البقرة ، وثلاث من الأعراف : إن ربكم الله إلى «محسنين» وآخر بني إسرائيل «قل أدعوا الله أو ادعوا الرحمن» وعشر آيات من أول الصافات إلى «لازب» وآيتان من سورة «الرحمن» يا معشر الجن إلى «تنتصران» وآخر «الحشر» « لو أنزلنا هذا القرآن» وآيتان من «قل أوحى» وأنه تعالى جد ربنا إلى «شططا».
فهذه هي الآيات المسماة بثلاث وثلاثين آية ، ويمكن ان يزيد عليها بسورة الفاتحة و «قل يا أيها الكافرون » و«قل هو الله أحد» والمعوذتين ويأخذ من أول السورة «قل أوحى » إلى «شططا» ... انتهى .

للشفاء من السحر وإبطاله :
جاء في تفسير ابن كثير لسورة يونس عند قوله تعالى [فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر] ما يلي:
قال ابن أبي حاتم عن ليث وهو ابن أبي سليم قال : بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى ، تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور :
1- [فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ]. [81ــ82 : يونس].
2- [فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ *قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ] [الأعراف :118ــ122].
3- [إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى] [69: طه].
لفك السحر ولو كان في أعماق المحيط بإذن الله وفك المربوط (من حبس عن إمرأته) :
قال ابن بطال في كتاب وهب بن منبه : إنه يأخذ سبع ورقات من سدر[3] أخضر فيدقها بين حجرين ثم يضرب به الماء ويقرأ فيه آية الكرسي ، القواقل (كل سورة تبدأ بـ «قل» ثم يحسو عليه ثلاث حسوات ثم يغتسل به يذهب عنه كل ما به بإذن الله تعالى). ( والسدرة خاصة لأنها تخاف منها الجن ومملوءة شوكاً وقد جاءت في القرآن كاسم لحكمة إلهية «عند سدرة المنتهى» والله أعلم).
دعاء لحرق الجن بقدرة وحول وقوة الله وحده :
ذكر السيوطي في كتاب «لقط المرجان في إحكام الجان» قصة فيها دعاء يحرق الجن ويجعله رماداً وهو :
«لا حول ولا قوة إلا بالله ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن» ويكرر صباحاً ومساءاً فإن هذا الذكر بقوة الله يحرق الجن ، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم .
علاج لإفاقة المصروع :
كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ في أذن المصروع قوله تعالى: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ] [المؤمنون :115ــ118].
وقد قرأها أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذن رجل فإذا بالرجل يفيق فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قرأت في أذنه ؟ قال : قرأت (أفحسبتم ...) فقال رسول صلى الله عليه وسلم «لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال»
وقوله تعالى : [لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ] [الحشر : 21].
وقوله تعالى : [وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ] [المؤمنون :97ــ98].

سورة الفتح لعلاج الصرع :
قال القسطلاني في كتابه المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : وقد جربت الإقسام بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم (والإقسام ليس القسم أي اليمين ولكن الإقسام هو الحلف برب محمد ورب كل شيء). مع قوله تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) إلى آخر سورة الفتح في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا .

للقضاء على العفاريت وطردها :
عن يحيى ابن سعيد أنه قال أسرى برسول صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتاً من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه . فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى فقال: «أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها من فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن». [الموطأ للإمام مالك].

كيفية إخراج الجن :
قال تعالى: [وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا] [الإسراء: 82].
[وأيوب إذ نادى ربه إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين] [الأنبياء: 83ــ84].
[قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء] [فصلت: 44].
[وإذا مرضت فهو يشفين] [الشعراء :80].
وعلاج أي مرض كان في أي إنسان لابد أن يعتمد على الروح قبل الجسد لأنها هي المهيمنة عليه وهي جوهر حياته ونبض فؤاده والسر في إحساسه وحركة وظائف أعضائه فبدونها لا قيمة للجسد البتة بل يتفسخ الجسد ويتعفن ويعود لأصله ألا وهو التراب فمن ثمة يكون بدء العلاج مركزاً على الروح ثم الجسد ولا سيطرة على الروح إلا بالروحانيات وأعظم ما يعتمد عليه في ذلك كتاب الله وما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من رقى ودعوات ثم الاعتماد على علاج الجسد وتدعيمه بالأدوية العشبية التي ثبت جدواها ونفعها في ذلك الشأن يقول ابن قيم الجوزية «من لم يشفه القرآن فلا شفاه الله ومن لم يكفه فلا كفاه الله». [زاد المعاد ج3 ص178].
وصدق الله [أليس الله بكاف عبده].
فمن أجل ذلك لابد أن يكون الاعتقاد ويقين القبول من المعالج والممسوس بالجن في أن الشفاء لا ولن يكون إلا إذا أراد الله وأن العبد المسلم عنده الثقة وحسن الظن بالله بأنه هو لطيف بعباده رحمن رحيم ، فعند ذلك نبدأ بشرح كيفية إخراج الجن من الإنسان أو أي مكان بعون الله وقدرته وحوله وقوته.

أولاً : الـمُعالج والـمصروع :
يقول ابن القيم «وعلاج هذا النوع يكون بأمرين أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج .. فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان فإن هذا النوع محاربة والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين :
الأول : أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً وأن يكون الساعد قوياً فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل فكيف إذا عدم الأمران جميعا؟.
والثاني : من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله أخرج منه أو بقوله بسم الله أو بقول «لا حول ولا قوة إلا بالله» والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول «أخرج عدو الله أنا رسول الله». [زاد المعاد لابن القيم ج3 ص84].
فلذلك يجب تهيئة المريض المصروع بالبشرى بأن الله هو الشافي وحده ولا ريب أن الله سيرحمه ويطرد عنه هذا الشيطان وذلك بأن يكثر من الدعاء والرجاء مع إلتزام الهدوء والسكينة والرضا بقضاء الله عز وجل.
أما المعالج فشرط أساسي أن يكون من الموحدين الصالحين وإلا فقد ينطلق الجن من المريض إليه لأنه قد يجد مرتعاً خصباً أو ليؤدبه لكيلا يتجرأ على المواجهة والتحدي. ولذا قال ابن تيمية «إن كان الجن من العفاريت والمعالج ضعيف (ألإيمان) فقد تؤذيه الجن» [إيضاح الدلالة في عموم الرسالة ص36].

ثانياً : استحضاره :
لكي نستحضر الجن لابد وأن يعم الهدوء المكان مع التزام الصمت من الحاضرين ثم يضع المعالج يده اليمنى على رأس المصروع ويقرأ في أذنه اليمنى آية الكرسي سبعين مرة إن حضر وإلا فليزيد هذه الآيات :
بسم الله الرحمن الرحيم [الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ] [سورة الفاتحة].
بسم الله الرحمن الرحيم [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ] [البقرة:1ــ4].
بسم الله الرحمن الرحيم [اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ] [البقرة: 255].
بسم الله الرحمن الرحيم [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] [البقرة:286].
بسم الله الرحمن الرحيم [شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] [آل عمران: 18].
بسم الله الرحمن الرحيم [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ] [المؤمنون:115ــ117].
بسم الله الرحمن الرحيم [وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ* إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُـورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِـبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَـةَ فَأَتْبَعَهُ شِـهَابٌ ثَاقِبٌ ] [الصافات:1].
بسم الله الرحمن الرحيم [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] [الحشر:22ــ24].
بسم الله الرحمن الرحيم [وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا] [الجن:3].
بسم الله الرحمن الرحيم [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ] [الإخلاص:1ــ4].
بسم الله الرحمن الرحيم [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ* وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ] [الفلق:1ــ5].
بسم الله الرحمن الرحيم [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ]. [الناس : 1ــ6].

ثالثاً : كيف يُعرف أنه حضر :
أن يصرخ المريض بصوت غريب هو صوت الجن حقيقة لا صوت المريض وقد يقول سأخرج سأخرج فإن قال سأخرج كرامة لك فقل له : لا ، ولكن أخرج كرامة لله وحده ، وإن قال : سأخرج ولكن أذبحوا لي أو أحضروا لي فحذره من ذلك وقل له : لن نذبح إلا لله وحده وإن عاند فعليك بضربه ولكن تجنب الوجه وهذا الضرب لا يؤثر في المصروع بل هو في الجن نفسه حتى يستسلم ويخرج ولكن إحذر أن يخرج من العين أو الأذن أو المخ أو البطن بل فليخرج من الأنف أو الفم أو أصبع القدم وبلا عودة وإلا فالقرآن سيلاحقه.
· قد يغمى على المصروع فلا تدعه ، رشه بالماء واقرأ عليه سورة الجن حتى يتكلم وأسأله عن إسمه ولماذا دخل وهل هو مسلم أم كافر ، وهل هو مسخر من قبل ساحر ، أو أن المريض آذاه ، وهل هو يحبه أو يحبها ، وما شابه ذلك من الأسئلة من خلالها أجبه بالدعوة إلى الله وحثه على التقوى وخذ العهد منه بأن يكون من الصالحين ولا يؤذي أحداًَ بعد ذلك .
· إذا رفض الجن الخروج مع كل السبل القراءة والضرب والخنق ، يحضر لذلك طست مملوء بالماء وتضع يدك اليمنى في الماء وتقرأ آية الكرسي وسورة الجن وسورة يس والإخلاص ثلاث مرات وبعد ذلك يغتسل المصروع بهذا الماء وتكرر هذه العملية لمدة أسبوع ويا حبذا بدءاً من يوم الجمعة فإن الجن من نار والمياه تؤذيه وكأنها تقتله فيهرب بلا رجعة بإذن الله .
· إن كان المصروع مسحوراً فاستخدم معه طريقة السدر وآية الكرسي المذكورة في علاج المسحور في باب السحر .
· قد يدعي الجني عدم معرفة الخروج أو أنه لم يمسه فلا تصدقه وهدده بالضرب واستمر في قراءة القرآن ومع ذلك فعرفه كيف يخرج بأن يقول بسم الله وعلى بركة الله أخرجني يارب بحولك وقوتك وإني تبت إليك الله أكبر .
· قد يضرب المصروع المعالج ويسبه ويحاول الهروب منه وهذا كله من الجن وليس من المصروع فحينئذ عليه أن يطبق عليه ويخنقه ويكرر[إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًاِ] [النساء: 76].

رابعاً : كيف يُعرف أنه خرج :
أن يفيق المصروع وينظر حوله وكأنه فك من عقال ويحمد الله وتشعر كأنه كان نائماً واستيقظ.
· يتصبب عرقاً ويحمر وجهه ويغمره الهدوء وتشمله السكينة ويحس بالراحة.
· قد يسلم أثناء خروجه ويستغفر ويطلب السماح من المريض فعلى المريض أن يقول سامحتك بشرط أن لا تعود مرة أخرى.
· إذا خرج من الفم فإن المصروع يتقيأ فجأة وإن خرج من الأنف فإنه يعطس بقوة وإذا خرج من القدم فإن الظفر يدمى أو يؤلمه.

خامساً : بعد الخروج عليه بتقوى الله :
· أن يقرأ سورة الجن وياسين وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين مع كثرة الذكر ومجالسة العلماء والصالحين.
· أحذر اللهو والأغاني والموسيقى وتعليق الصور وتربية الكلاب وصحبة الفاسدين والمبتدعين وتجنب الأماكن النائية والخربة والمظلمة.
· التزود بالتقوى [وتزودوا فإن خير الزاد التقوى] وذلك بالصيام والقيام والذكر والدعاء والجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض وفعل الخيرات وتجنب السوء وأهله. وصدق الله [ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَــــكَ مِنَ الْغَاوِينَ ] [الحجر: 41ــ42].
-------------------------
* أبو الفداء محمد عارف ، كيف نداوي ونتقي السحر ، مكتبة المأمون ،1990م ، ص12.
* وذلك لقوله تعالى (فيمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد أستمسك بالعروة الوثقى لا انفصال لها والله سميع عليم) [البقرة :256] .
1] التعويذة من العوذ والاستعاذة بالله وحده عز وجل وما دون ذلك من حجب وكتب فهو بدع.
2] ذكره الشيخ سيد محمد صديق القنوجي البخاري في كتابه الدين الخالص ص 343 بالجزء الثاني.
3] السدرة : شجرة النبق.

واستوصوا بالنساء خيرا

واستوصوا بالنساء خيرا

عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله r : «استوصوا بالنساء ؛ فإن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوجَ شيء في الضَّلَع أعلاه ، إن ذهبت تُقيمه كسرتَه ، وإن تركته لم يَزَلْ أعوجَ ، فاستوصوا بالنساء»
[1].
لطف الرجل بأهله
عن عائشة قالت : قال رسول الله r ثم ذكر كلمة معناها : «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً ، وألطفهم بأهله »
[2].
من روائع التوصية بالنساء
عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال :
« إن الرجل إذا نظر إلى امرأته , ونظرت إليه , نظر الله تعالى إليهما نظرة رحمة , فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما»
[3].
النهي عن التماس عثرات النساء
عن جابر قال : رسول الله r : «أن يطرق الرجل أهله ليلاً .. أن يتَخونهم ، أو يلْتَمسَ عثراتِهم»
[4].
ضرب الرجل زوجته
عن عروة بن الزبير : أن عائشة قالت: « والله ما ضرب رسول الله r بيده امرأة قط ، ولا خادماً له قط ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا خُيرّ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ، وإن كان إثماً كان أبعد الناس. والله ما انتقم لنفسه من شيء قط يؤتى إليه ، حتى يُنْتَهَكَ من حرمات الله ، فينتقم لله »
[5].
عندما يكون هناك فتور عاطفي !
إذا تزوجت المرأة المسلمة ، و عاشرت زوجها زمناً ، ثم أحست بالفتور العاطفي،وعدم الارتياح إلى الزوج ، فمن حقها أن تطلب الفرقة وتنالها.
تزوج ثابت بن قيس بن شماس من جميلة بنت أبي سلام ، فتركته ونشزت عليه ، فقال لها رسول الله r : «ما كرهت من ثابت ؟!».
فقـــــــالت : والله ما كرهت منه شيئاً إلا دمامته !.
فقال لها : أتردين عليه حديقته ؟!
قــــــــــالت : نعم ؛ ففرق بينهما
[6].
إِثْمُ من ضيّع عياله !
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه :
سمعت رسول الله r يقول : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول»
[7].

--------------------------------------------------------------------------------


1] أخرجه البخاري في صحيحه ، ومسلم ، والبيهقي ، وغيرهم.
2] سنن الترمذي
3] صحيح الجامع حديث رقم 1977
4] أُسْد الغابة ج7 ص51
5] النسائي ، واخرجه مسلم في صحيحه.
6] أسد الغابة ج7 ص 51.
7] أخرجه النسائي ، وأبو داود ، وأحمد ، وابن حبان.

نصائح في اصحة عمرها 1500 عام

نصائح في الصحة عمرها 1500 عام*

أصل الطب ضبط الشفتين والرفق باليدين . والداء الدوي الشديد ، إدخال الطعام على الطعام ، فهذا ما يقتل الناس ويفتك بالوحوش في البرية . أما الجمرة التي تلهب منها الأدواء فهي التخمة ، أن بقيت في الجوف قتلت ، وإن تحللت أسقمت .
لا تدخل الحمام وأنت شبعان ، ولا تنم عريان ، وارفق بجسمك يكن أرجى لنسلك واجتنب الدواء ما لزمتك الصحة ، فإذا أحسست بحركة الداء فاحسمه بما يردعه ، ذلك أن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت ، وإن أفسدتها خربت.
أحمد اللحوم الضأن الفتي ، أسمنه وأبذله ، واجتنب أكل القديد والمالح، والمعز والبقر . أما الفاكهة فكلها لدى إقبال دولتها واتركها إذا ولت وأدبرت وانقضى زمانها وافضلها الرمان والأترج . وأفضل البقول الهندبا والخس . وتذكر دائماً أن الماء حياة البدن . والجاهل من قد أكل ما قد عرف مضرته وأثر شهوته على راحة بدنه.
واعلم أن كثرة غشيان النساء رديء ، وإياك وإتيان المرأة التي أدبر شبابها فإنها تسقم بدنك وتجذب منك ولا تعطيك . عليك بإتيان الشابة ، فإن ماءها زلال ، ومعانقتها غنج ودلال ، فوها بارد ، وريحها طيب ، وتزيدك قوة إلى قوتك ونشاطاً إلى نشاطك.
واحرص أن تصيب ، أن قدرت امرأة مديدة القامة واسعة الجبين ، عريضة الصدر ، مليحة النحر ، ناهدة الصدر ، لطيفة الخصر . بيضاء فرعاء تخالطها في الظلمة بدرا زاهرا . إن عانقتها كأنها ألين من الزبد ، وأحلى من الشهد ، وأشهى من القند.

***

درس في الطبيعة :

ما أروع هذا الدرس الذي تلقيه الطبيعة علينا وأنا أنظر إليها من نافذة غرفتي، ها هي النسمات تميل الأشجار الخضراء باتجاه واحد حتى تكاد تتعانق ، ثم تعود لتتلاقى مرة أخرى، كذلك الإنسان النابض بالحياة يتجاوب مع المجتمع النابض بالحياة.

قال البحتري واصفاً الخط والكتابة والبلاغة :
وإذا دَجتْ أقـلامه ثم انتحـــتْ برقتْ مصابيح الدُّجى في كُتـبه
فاللفظ يقرُب فهمــهُ في بُعـــده منّـا ويَبعـــدُ نيــــله في قُــــرْبه
فكأنها والســــمع معـقودٌ بهــا شخص الحبيب بدا لعـين مُحبِه

*** *** *** *** *** *** *** *** ***
*) بقلم الحكيم العربي الحارث بن كلدة ، والذي توفي في صدر الإسلام ، وكان من المعمرين ولكن لم يحفظ تاريخنا صفاته وهيمنته ، يلقب بـ «طبيب العرب» ، وفد على كسرى وأسدى نصائح طيبة للبلاط الفارسي.

الأحد، 15 مارس، 2009

الزول السوداني

(الزول) السوداني

كلمة (الزول) تلك اللفظة العربية التي أصبحت تعادل كلمة (سوداني ) في كل مهجر ومغترب ، حتى أصبحت شعاراً للسوداني ــ هي والعمامة ــ من فصيح العربية ولها في لسان العرب أكثر من سبعة عشر معني ، فالزول تعني :
1- الكريم الجواد ، أنشد ابن السكيت :
لقد أروح بالكرام الأزوال من بين عم وابن عم أو خال
2- والزول : الخفيف الحركات ، قال أبو منصور الثعالبي في حديثه عن الممادح والمحاسن، حين ذكر أطوار الإنسان : فإذا كان حركاً ظريفاً متوقداً فهو : زول.
3- والزول الفتى ، قال محمد بن عبيد الله الكاتب المشهور بالمفجع يمدح عليا رضي الله عنه :
أشــــــبه الأنبياء كهـــــلاً وزولا ً وفطيمــــاً واضـــــعاً وغــذيا ً
4- والزول : العجب ، ألا تري أن السوداني إذا استغرب شيئاً قـــال : يا زول؟! يعني يا عجبي من هذا الشيء . قال الشاعر في وصف سير ناقته :
مرفوعهــــا زول وموضـــــوعها كمـر غـيث لجب وســـط ريـــح
فمرفوعها زول يعني سيرها إذا أسرعت عجب من العجائب .
5- والزول : الشجاع الذي يتهيب الناس من شجاعته.
6- والزول : الخفيف الظريف الذي يعجب الناس من ظرفه .
7- والزول : الغلام الظريف .
8- الداهية .
9- معالجة الأمر كالمزاولة .
10- التظرف .
11 - الحركة .
12- الصقر .
13- والزولة : المرأة الظريفة ، قال الأصمعي : أنشدتني عشرقة المحاربية، وهي عجوز حيزبون زولة .. قال أبو علي : الحيزبون التي فيها بقية من شباب.
14- المرأة البرزة( الجميلة) الفطنة الزكية قال الطرماح بن حكيم:
وأدت إلي القـــــول منهن زولــة تلاحن أو ترنو لقول الملاحـن ([1])
15- والزولة : الفتية من الإبل أو النساء ، قال رؤبة بن العجاج:
قد عـــتق الأجـــــــدع بعــــد رق بقــــارح أو زولـــــــــــة مـــعــــق
16- ووصيفة زولة : إذا كانت نافذة الرسائل.
17- ويقولون فلان رامي الزوائل : إذا كان خبيراً بالنساء ، قال الشاعر:
وكنت امرأً أرمــي الزوائل مــرةً فأصبحت قد ودعت رمي الزوائل
فهذا رجل كان يجتذب النساء في شبيبته بحسنه فلما أسن أنصرف عن ذلك .
فالزول والعمامة شعار سوداني ــ وأكرم به ــ وهم يسعدون ويفخرون أن يكون شعارهم كلمة عربية فصيحة في قمة الفصاحة هي (الزول) ، وسنة نبوية وعادة إسلامية عربية أصيلة هي ( العمامة) والعمامة لباس النبي r وأصحابه والتابعين والأئمة والفقهاء . وقد كانت لباس العرب قبل الإسلام حتى قالوا( العمائم تيجان العرب).
-------------------
1) الملاحنة : تعنى الفطنة.

الرجل الخفي

الرجل الخفي *

دخل رجل وقور في العقد السادس من العمر ، أحد محلات الصاغة ، وطلب من الصائغ أن يضع له حجرا كريما على خاتمه ، فقدم له الصائغ كأساً من الشاي ، وطفق الزبون يحدثه في شتى المواضيع بأسلوب شيق ، ويعرج على المواعظ والحكم والأمثال . وفي أثناء ذلك دخلت المحل امرأة على عجلة من أمرها تريد من الصائغ إصلاح سلسلة ذهبية مكسورة فقال لها الصائغ : انتظري قليلا حتى ألبّي طلب هذا الرجل الذي أتاني قبلك ، ونظرت المرأة إلى الصائغ في دهشة وقالت أي رجل وأنت تجلس لوحدك؟! ثم خرجت من المحل مندهشة ، واستأنف الصائغ عمله . ثم دخل عليه رجل يطلب منه تقييم حلية ذهبية كان يحملها ، فطلب منه أن ينتظر قليلا إلى أن يفرغ من إعداد الخاتم الذي طلبه الزبون الجالس إلى جواره ، فصاح الرجل : عمّ تتحدث فأنا لا أرى في المحل سواك! فسأله الصائغ : ألا ترى الرجل الجالس أمامي ؟ فقال الزبون الجديد : كلا ثم حوقل وبسمل ، وخرج مستغرباً. هنا أحس الصائغ بالفزع ونظر إلى الرجل الوقور وتساءل: ماذا يعني كل هذا ؟ هل أنت من أولئك الذين يقال عنهم بأن عليهم الغطاء؟ فضحك الرجل الوقور ، وهز برأسه إيجاباً.
بعد قليل دخل المحل رجل وزوجته وقالا إنهما يرغبان في فحص خاتم معروض في واجهة المحل فطلب منهما الصائغ أن يمهلاه بضع دقائق حتى ينتهي من عمل الزبون الجالس أمامه ، فاحتد الرجل وقال : أي رجل ونحن لا نرى غيرك في المحل ، والتفت إلى زوجته وقال لها : يبدو أن هذا الصائغ لا يرغب في بيع الخاتم لنا .. لنذهب إلى محل آخر! هنا انتابت الصائغ حالة من الهلع الشديد ، ونظر في ضراعة إلى الرجل الجالس قبالته، وسأله : قل لي بربك ماذا يحدث؟! هنا اعتدل الزبون في جلسته وحدق ببصره بعيدا وقال في صوت أقرب إلى الهمس : أنا من أولئك الذين قلت عنهم ، لا يراني إلا من حمل صفاتي! هنا حلت النشوة محل الفزع في قلب الصائغ وكاد أن يطير من فرط السعادة عندما أكد له الرجل الوقور بأنه بدعواته سيحقق له أمنياته. وظهر الفرح الشديد على وجه الصائغ وقال : أعطاني الله من الدنيا الكثير ولا أريد سوى الظفر بالجنة ، فابتسم الرجل وقدم للصائغ منديلا أبيض وقال له : ضعه على أنفك واستنشق بقوة ففي المنديل عطر الجنة ، ففعل الصائغ ذلك ، وأحس بالنشوة تسري في أوصاله في نعومة ولطف ثم غفا غفوة لدقائق معدودة ، أفاق بعدها فلم يجد الرجل ولم يجد المجوهرات التي كانت معروضة داخل المحل وأدرك بعد فوات الأوان أن الرجل نصاب كبير وأن عطر الجنة ما هو إلا مخدر ، وأن الزبائن الذين أتوه ثم أنكروا رؤية الزبون الجالس أمامه كانوا شركاء له في الجريمة ، وبالطبع لم تعثر الشرطة على الرجل ولا على شركائه.
-----------
*) قصة حقيقية.

ثمن الوفاء

ثمن الوفاء *

انطلقت سيارة الإسعاف بسرعة فائقة وهي تطلق صفارتها التحذيرية لتتمكن من إيصال المصابين الذين تحملهم إلى المستشفى بأسرع وقت ممكن ليتم اسعافهم من جراء حادث مروري ، وكانت أخطر الحالات في هذا الحادث هي حالة فهد في العقد الثالث من عمره حيث تكسر زجاج السيارة الأمامي في وجهه مما جعل الدماء تتدفق منه بغزارة ، ولدى وصول سيارة الإسعاف إلى المستشفى ، هرع الأطباء لمعاينة الحالات المصابة ، وعند الكشف على حالته اتضح أنه أصيب إصابات بالغة في عينيه الإثنتين ، وفي حاجة ماسة لزراعة "قرنية" لأحدى عينيه بأسرع وقت ممكن حتى يتمكن من النظر بها ، ولا يمكن إن يتم ذلك إلا بعد الحصول على قرنية يتبرع بها أحد الأشخاص.
وصلت "وفاء" زوجة فهد إلى المستشفى على جناح السرعة وبرفقتها مجموعة من أفراد الأسرة نساءاً ورجالاً لدى سماعهم نبأ إصابته ، وقام الطبيب بشرح حالة فهد ، قائلاً لهم : إن حالته الآن مستقرة ، ولكنه لا يقدر أن يبصر ، إلا إذا تبرع له أحد الأشخاص بقرنية ، وإلا سوف يفقد البصر نهائياً، سأل الأخ الأصغر الطبيب: أين يمكن الحصول على القرنية يا دكتور؟! ، هل هناك طريقة للحصول عليها من المستشفى ، أو من أي مكان ؟!. أجاب الدكتور: لو كانت متوفرة في المستشفى ما انتظرتك.
هنا تأملت وفاء لحظة وقالت في قرارة نفسها إنني لابد أن أضحي وأتبرع له بقرة عيني فهو زوجي وتاج رأسي ومصدر رزق أسرتي بعد الله . ثم هتفت قائلة : أنا سوف أتبرع بالقرنية يا دكتور ، اندهش الحضور وهم غير مصدقين لما سمعوا ، فكررت ذلك مرة أخرى ، أنا سأتبرع بها يا دكتور ، قال الدكتور لها : شاوري نفسك يا أختي ، لأن التبرع بالقرنية يعنى انك سوف لا تبصرين إلا بعين واحدة ، وسوف تكون العين التي سوف نأخذ منها القرنية لا ترى بعد ذلك وستكون مغطاة تماماً ، قالت "وفاء" : لا مشكلة يا دكتور أنا مستعدة للتبرع من الآن.
أجريت العملية لفهد ووفاء بنجاح وخرجا من المستشفى كل منهما بعين واحدة ، وفرح كل الأهل والأقرباء والأصدقاء لنجاح العملية وكانوا مفتخرين أكثر بالتضحية الكبيرة التي قامت بها وفاء تجاه فهد وتبرعها بإحدى عينيها ، وبدأت الحياة الزوجية تعود بسعادة لمنزلهم العامر ، عاد فهد لمواصلة عمله واستمر الحال على ذلك فترة من الزمن ، إلا أن فهد بعد فترة من الزمن بدأ يعد العدة للزواج من زوجة أخرى ، وأخبر زوجته وفاء بأنه سوف يتزوج في خلال الأيام القادمة ، هنا تفاجأت "وفاء" وصمتت برهة ثم قالت له : تتزوج ؟! هل قصرت معك في شيء ، قال لها فهد : لا والله لم تقصري في شيء.. ولكن شكلك صار لا يعجبني وأنت بعين واحدة (شكلك ماهو بزين) ، لم ترد وفاء وأخذتها الصدمة أي مأخذ ، وبدأت الدموع تتساقط من عينها بحرارة ، وهي تقول في نفسها ، هل هذا جزاء الإحسان ، أتبرع له بإحدى عيني ، ويتزوج علي!!.
ليست المشكلة في انه يتزوج عليها ، الشرع أحل له أربع زوجات ، ولكن المشكلة في إجابته الجاحدة القاسية التي نزلت عليها كالسهم القاتل "أنا شكلي ما هو بزين؟! .. ألم يسأل نفسه من كان السبب في ذلك ، أعطيته عيني ليرى بها ، ثم يقول إن شكلي لا يعجبه ؟! يا خسارة التضحية التي تقدمها لإنسان ، وتكتشف في النهاية انه لا يستحقها ، ولكنني قدمت له أعز ما أملك إرضاءاً لضميري ، ولم انتظر شكراً على ما فعلت ولا حمداً إلا من المولى عز وجل ، ولكن الصبر زين، وأمري لله، وهو المرتجى ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وتزوج فهد وأسكن زوجته الجديدة في بيت بالقرب من منزل زوجته وفاء.
"وفاء" تلك الإنسانة الطيبة القلب ، والتي تحظى من قريباتها وصديقاتها بكل محبة ، لم تفكر أبداً في أن تطلب الطلاق من زوجها ، ولم تغير من طبيعتها، ورضيت بحالها ، وكانت تلتقي كثيراً بقريباتها وصديقاتها ، وكن دائماً يضحكن معها ويقلن لها: ما عملته لم تسبقك إليه امرأة من قبل ، لقد حذرناك فلم تسمعي كلامنا .. عينك التي أعطيتها له ليرى بها .. رأى بها واحدة ثانية تزوجها عليك .. فكانت تجيب ، عملت بما يمليه علي ضميري لوجه الله تعالى وطلباً للأجر والمثوبة منه وحده سبحانه ، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملاً .


----------------

*) قصة حقيقية .